السيد نعمة الله الجزائري

248

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطى البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا وهو قول اللّه عز وجل كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ انتهى ، أقول وعمل عليه ما ورد في الروايات من أن اللّوّاط وشارب الخمر لا تقبل توبتهم ، وحاصله أنهم لأنهماكهم في المعاصي وارتكابهم لعظيم الذنوب انقلبت قلوبهم من مكانها الطبيعي بسبب إحاطة السواد والجرايم بها فصاروا بحيث لا يقدرون على التوبة المنورة لقلوبهم بل لو قال أحدهم أتوب إلى اللّه يكون مجرد تحريك لسان بلا موافقة من القلب فلا يؤثر كما لا يؤثر قول القائل كتب الكتاب في كونه مكتوبا وقول القصار غسلت الثوب في تصيره نقيا من الأوساخ بل ربما آل حال هذا إلى التهاون والاستهزاء بأحكام الشريعة فيموت على غير الملة ، وذهب بعضهم إلى عدم وجوبها فورا لما روى عن زرارة أنه قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام : أنه قال من عمل سيئة أجل فيها سبع ساعات فإن قال أستغفر اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاث مرات لم يكتب عليه ، وهذا الاستدلال كما ترى لأن هذا التأخير منه تفضلي لا إستحقاقي بحكم قوله عليه السّلام إذا كان جزائي في أول ما عصيتك النار ، فالأصح هو وجوب الفورية ولو تركها المكلف في أول وقت الإمكان لكان ذلك الترك ذنبا يجب التوبة عنه ، وتأخير التوبة عن هذا أيضا ذنب يجب التوبة عنه وهكذا إلى أن يحصل أعداد من الذنوب لا تتناهى في زمان متناه . الأمر الثالث : قد عرفت أن العزم على عدم العود من أعظم أجزائها فلو فعل ذلك الذنب ثانيا فهل تقبل توبته ثانيا أم لا ، ذهب بعض إلى الثاني لما روي من أن التائب عن الذنب وهو يفعله كالمستهزىء بربه والأصح هو الأول لرواية محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر عليه السّلام قال يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف لما بعد المغفرة والتوبة ، أما واللّه أنها ليست إلا لأهل الإيمان ، قلت فإن عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة ، فقال يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل اللّه توبته قلت فإنه فعل ذلك مرارا يذهب ثم يتوب ويستغفر ، فقال كلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد اللّه عليه بالمغفرة وإن اللّه غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات فإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة اللّه ، وقال عليه السّلام إن اللّه يحب المؤمن المفتن التواب ومن لا يكون ذلك منه كان أفضل ، وقول النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم لمن قتلت ولدها