السيد نعمة الله الجزائري
198
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
« من هجرني بالبرّ » قال الصادق عليه السّلام لا يفترق الرجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة وربما استحق ذلك كلاهما فقال له معتب جعلني اللّه فداك هذا الظالم فما بال المظلوم قال لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته ولا يتغامس « 1 » له عن كلامه سمعت أبي يقول إذا تنازع اثنان فقال أحدهما الآخر فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول لصاحبه أي أخي أنا الظالم حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه فإن اللّه تعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثا لا يصطلحان إلا كانا خارجين عن الإسلام ولم يكن بينهما ولاية فأيهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنة يوم القيامة ، وقد عرفت أن المراد بالخروج عن الإسلام الخروج عن أحد مراتبه . « من اغتابني » والكلام في تحقيق الغيبة يستدعي بيان أمور : الأول : في تحريمها وهو مجمع عليه بين علماء الإسلام بل قيل إنها من الكبائر وإنها تنقض الوضوء كما في بعض الروايات . الثاني : في تعريفها والمشهور أنها التعرض لإنسان معين أو في حكمه بما يكون فيه بحيث لو سمعه غضب ، ويعد في العرف نقصا سواء كان ذلك التعرض بالقول أو الإشارة أو الكناية أو الكتابة والتقييد بالمعين ليخرج مثل قولك إنسان في هذا البلد فاسق فإنه لا يعد غيبة إلا إذا علم بالقرينة عند السامع وفي حكم المعين يدخل فيه قول القائل إما زيد فاسق وإما عمرو فاسق فإنه غيبة لأحدهما وظني أنه غيبة لهما معا لتأثرهما لو سمعا مثله ، والتقييد بكونه فيه لاخراج البهتان فإنه لا يسمى غيبة عرفا وإن تضاعف عذابه ، والتقييد بكونه نقصا لإخراج مثل نسبة عبادة أو نحوها إلى عابد بحيث لو سمعها لغضب فإنه لا يعد غيبة بل هو من الأمور الحسان والكناية كأن تقول الحمد للّه الذي لم يجعل لي باعثا على هذا الأمر القبيح عند ذكر من اتصف به فظن أنه دعاء مستحب فظهر أنه محرم .
--> ( 1 ) لم أجد لهذه اللفظة معنى في كتب اللغة والحديث ، ولعلها تصحيف من الناسخ .