السيد نعمة الله الجزائري

194

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

واعلم أنه يجوز تعظيم المؤمن بما جرت به عادة الزمان وإن لم يكن من السلف لدلالة العمومات عليه ، قال اللّه تعالى : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، وقال صلّى اللّه عليه واله وسلّم لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد اللّه اخوانا ، فعلى هذا يجوز القيام والتعظيم بالانحناء وشبهه ، وربما وجب إذا أدى تركه إلى التباغض والتقاطع أو إهانة المؤمن ، وقد صح أن النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم قام لفاطمة عليها السّلام وقام إلى جعفر لما قدم من الحبشة وقال للأنصار قوموا إلى سيدكم ، ونقل أنه صلّى اللّه عليه واله وسلّم قام لعكرمة بن أبي جهل لما قدم من اليمن فرحا بقدومه ، فإن قلت قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم من أحب أن يتمثل له الرجال والنساء قياما فليتبوأ مقعده من النار ، ونقل أن النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم كان يكره أن يقام له فكان إذا قدم لا يقومون لعلمهم كراهته ذلك فإذا فارقهم قاموا حتى يدخل منزله لما يلزمهم من تعظيمه ، قلت تمثل الرجال قياما المراد به ما تعارف بين الجبابرة من إلزامهم الناس بالقيام حال قعودهم إلى أن ينقضي مجلسهم لا هذا القيام المخصوص القصير زمانه ، سلمنا لكن قال شيخنا الشهيد ( ره ) بحمل من أراد تجبرا وعلوا على الناس فيؤاخذ من لا يقوم له بالعناد ، أما من يريده لدفع الإهانة عنه والنقيصة به فلا حرج عليه لأن دفع الضرر عن النفس واجب ، وأما كراهته صلّى اللّه عليه واله وسلّم فتواضع للّه وتخفيف على أصحابه ، وكذا ينبغي للمؤمن أن لا يحب ذلك وأن يؤاخذ نفسه بمحبته له إذا مالت إليه لأن الصحابة كانوا يقومون كما جاء في الحديث ، وينبغي عدم علمه بهم مع أن فعلهم يدل على تسويغ ذلك ، وأما المصافحة فهي من السنة وكذا المعانقة ، وأما التقبيل في موضع السجود فكذلك أيضا ، قال الصادق عليه السّلام إن لكم لنورا تعرفون به في الدنيا حتى أن أحدكم إذا لقي أخاه قبّله في موضع النور من جبهته ، وأما تقبيل اليد فإنه وإن تعارف في كل الأعصار إلا أنه روي عن الصادق عليه السّلام أنه قال لا يقبل ( يد ) « 1 » أحد إلا رسول اللّه أو من أريد به رسول للّه ، والكلام فيمن أريد به رسول للّه الظاهر أن المراد الأئمة المعصومون عليهم السّلام فإنهم نوابه وقوامه ويدل عليه رواية السابري قال دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فتناولت يده فقبلتها فقال أما أنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي ، وقيل المراد به من انتسب إليه انتسابا صوريا وهم مطلق أولاد فاطمة عليهم السّلام الصلحاء الأخيار ، وقيل المراد به مطلق

--> ( 1 ) في الأصل رأس ، وما ذكرناه ربما كان الأصح .