السيد نعمة الله الجزائري

156

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

إليك وقد جعلت وجههما إلى الأرض ذلا وخجلا بين يديك ، والمراد بالتضرع بتحريك الأصابع يمينا وشمالا لا أنه تأسيا بالثاكل عند المصاب الهائل فإنها تقلب يديها وتنوح بهما إدبارا وإقبالا ويمينا وشمالا ، والمراد بالتبتل برفع الأصابع مرة ووضعهما أخرى بأن التبتل الانقطاع كأنه يقول بلسان حاله لتحقيق رجائه وآماله : انقطعت إليك وحدك لما أنت أهله من الإلهية فيشير بأصبعه وحدها من دون الأصابع على سبيل الوحدانية ، والمراد بالابتهال بمد يديه تلقاء وجهه إلى القبلة ومد يديه وذراعيه إلى السماء ورفع يديه وتجاوزهما رأسه ، بحسب الروايات أنه نوع من أنواع العبودية والاحتقار والذلة والصغار ، أو الغريق الرافع يديه الحاسر عن ذراعيه المتشبث بأذيال رحمته والمتعلق بذوائب رأفته التي أنجت الهالكين ، وهذا مقام جليل فلا يدعيه إلا عند العبرة وتزاحم الأنين والزفرة ، والمراد بالاستكانة برفع يديه على منكبيه أنه كالعبد الجاني إذا حمل إلى مولاه وقد أوثقه قيد هواه ، وقد يصفد بالأثقال ويناجي بلسان الحال هذه يداي قد غللتهما بين يديك بظلمي وجرأتي عليك . ومنها رعاية الأوقات والحالات قال أبو عبد اللّه عليه السّلام اطلبوا الدعاء في أربع ساعات عند هبوب الرياح وزوال الأفياء يعني زوال الشمس ونزول المطر وأول قطرة تقطر على الأرض من دم القتيل المؤمن فإن أبواب السماء تفتح عند هذه الأشياء ، وقال عليه السّلام : يستجاب الدعاء في أربعة : في الوتر ، وبعد الفجر ، وبعد الظهر ، وبعد المغرب ، وقال أمير المؤمنين عليه السّلام اغتنموا الدعاء عند قراءة القرآن وعند الأذان وعند التقاء الصفين للشهادة ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم خير وقت دعوتم اللّه عز وجل فيه الأسحار ، ولذا كان علي عليه السّلام يداوم عليه ، روي أنه دخل ضرار بن حمزة الليثي على معاوية فقال له صف لي عليا فقال أولا تعفيني من ذلك ، فقال لا أعفيك فقال كان واللّه بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، ينفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته ، كان واللّه غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفه ويخاطب نفسه ، ويناجي ربه ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، كان واللّه فينا كأحدنا يدنينا إذا أتينا ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكنا مع دنوه منا وقربنا منه لا نكلمه لهيبته ، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، وأشهد باللّه لقد رأيته في بعض