حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
85
التمييز
اليقين لا يظهر بذاته وإنما يوجد عند الموقنين ، واليقين الاعتقاد الجازم وهو قوة لقلب من قام به لاطمئنانه وعدم خوفه من غير اللّه ، وهذا شامل الحق اليقين وعين اليقين ، والفرق بينهما مشهور في التفاسير ، وإذا أراد اللّه بعبد خيرا آنسه بذكره ووفقه لشكره ، فالذي ظهر من هذا وتحصّل أن العلم أفضل وأن العمل أكمل وأن التقوى هي السبب الأقوى ، ومبناها على الخشية فلو لا الخشية ما حصل العمل ولولا العمل ما حصلت التقوى ، وحد الخشية أن تخشى اللّه حتّى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك ، واعلم أنّ العلم حيث ما تكرّر في الكتاب العزيز أو في السنّة إنّما المراد به العلم النافع الذي يقارنه الخشية قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « 1 » بيّن أن الخشية تلازم العلم وفهم من هذا أن العلماء إنّما هم أهل الخشية . قال البيضاوي « 2 » رحمه اللّه : إذ شرط الخشية معرفة المخشى والعلم بصفاته وافعاله فمن كان اعلم به كان اخشى منه وكذلك قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « 3 » : « اني أخشاكم بالله واتقاكم له » [ فقوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فإنما أراد العارفين به وبصفاته وافعاله دون العارفين بأحكامه ، ولا يجوز حمل ذلك على علماء الاحكام لأنّ الغالب عليهم عدم الخشية « 4 » ، وخبر اللّه تعالى صدق ، ولا يحمل إلّا على من عرفه وخشيه ، وقد روى هذا عن ابن عباس « 5 » ، وهو ترجمان القرآن ، فإن كان عالما بالله وبأحكامه فهذا من السعداء ، وإن كان من أهل الأحوال فهذا من أفضل العارفين إذ قد حاز ما حازوه وفضل عليهم بمعرفة الاحكام وتعليم أهل الاسلام ، ] « 6 » . وقال عبادة ابن الصامت رضي اللّه عنه « 7 » : أول علم يرفع من النّاس الخشوع ،
--> ( 1 ) سورة فاطر : آية ( 28 ) . ( 2 ) هو عبد الله بن عمر الشيرازي البيضاوي ( ت 685 ه / 1286 م ) قاض ومفسر ، علّامة ، ولي قضاء شيراز وله عدة تصانيف منها : أنوار التنزيل واسرار التأويل وهو المعروف بتفسير البيضاوي . البداية والنهاية 13 / 309 ؛ ( 3 ) جاءت في الأصل : النبي . ( 4 ) انظر أنوار التنزيل واسرار التأويل 2 / 286 . ( 5 ) تفسير القرطبي 14 / 3143 . ( 6 ) ما بين معقوفتين زيادة من باقي النسخ . ( 7 ) هو عبادة بن الصامت الأنصاري ( ت 34 / 654 م ) صحابي ورع شهد بدرا وسائر المشاهد وفتح مصر ، ولي قضاء فلسطين . تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 209 - 217 .