حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
66
التمييز
العاقل لا يدعه ما ستر اللّه من عيوبه يفرح بما أظهره من محاسنه ، والعاقل لا يساكن شهوة الطبع لعلمه بزوالها ، والجاهل يظن بقاءها فهذا يشقى بعقله وهذا ينعم بجهله . ومن كان عاقلا كانت حسنته كبيرة وسيئته ليست صغيرة لأنّه خالف الأمر على بصيرة . أقل النّاس عذرا في ارتكاب القبيح من عرف قبحه . الجاهل أوسع من العاقل عذرا وأخلا من الهمّ صدرا ، وإذا عمل حسنة لا يذوق حلاوتها ولا يروق له طلاوتها ، إلّا أنّه إذا عمل سيئة لم تكن جراءة على اللّه لأنه جاهل باللّه ، فلهذا يخفّف عن الجاهل ما لا يخفّف عن العالم . ويقال : زلّة العاقل مضروب بها الطبل وزلّة الجاهل يخفيها الجهل ، العاقل إذا زلّ قل عذره . وقال حكيم : العقل جوهر والغضب يزيله ، والدّين جوهر والحسد يزيله والحياء جوهر والطمع يزيله . ويقال : من زيد في عقله نقص من رزقه كأنه فيما قدّر له محسوب عليه ، هذا وربّما أخطأ الحازم رشده ، وأصاب العاجز قصده ، شعر « 1 » ( الطويل ) وقد تحكم الأيام من كان جاهلا ويردي الهوى ذا العقل وهو لبيب ويحمد في الامر الفتى وهو مخطئ ويعذل في الاحسان وهو مصيب جبلت الخليقة على أمور عجيبة ؛ فالرّجل المنقوص ينفر من الرجل الفاضل ، والأحمق يكره العاقل ويعيبه ، شعر ( الوافر ) فليس لامر دنيانا حساب ولا تبع التعقل فيه دأب فعش في جدّ أحمق ساعدته حظوظ قد يخالفها الصواب / 16 أ / حكي أن الإسكندر سأل من أمّه أن تدعو له ، فقالت : رزقك اللّه حظّا يخدمك به ذو العقول لا عقلا تخدم به ذوي الحظوظ . وفي الأمثال اسع بجدّك لا بكدّك ، الجدّ أجدى والكد أكدى .
--> ( 1 ) ورد البيتان في الذخائر وينسبان إلى الفضل بن العباس ، ص 31 .