حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

52

التمييز

من أطاع العقل أنجاه ومن عصى العقل أرداه ، وإطاعة الهوى هي عصيان العقل وليس له في الحقيقة غاية ولا لجودة فهم القريحة نهاية . وإذا اجتمع في إنسان فرط الذكاء ، وقوّة الحدس ، وجودة القريحة ، وكثرة التجارب ، وطول الاختبار بمرور الزّمان فذلك المجتمع هو العقل الكامل على الاطلاق وصاحبه الفاضل بالاستحقاق ، يعرف من مبادئ الأفعال خواتم الأعمال ومن صدور الأمور أمور الصدور يرى العواقب في مرآة فكره فلا يشتبه عليه نفعه بضرّه . قال التفتازاني « 1 » رحمه اللّه « 2 » : ومن الكيفيّات النفسانيّة الذكاء وهو حدّة الفؤاد وهي شدّة قوّة للنّفس معدة لاكتساب الآراء أي الأفكار . وقيل : هو أن يكون سرعة انتاج القضايا ملكة للنفس كالبرق اللامع بواسطة كثرة مزاولة المقدمات المنتجة . وقال أفلاطون : ذكاء الفهم والذّهن من الطبيعة الصّافية واختلاط الحكماء وهو من المواهب الإلهيّة والمطالب البهية وسبب من أسباب العلم . وقال شهاب الخفاجي في شرح الشفا « 3 » : الذّكاء بفتح الذّال المعجمة ، الفؤاد بسرعة إدراكه وفطنته لأنه في / 9 ب / الأصل الاشتعال والتوقّد ، ولذا يقال : الذكاء توقد الذهن « 4 » . وروي عن عمر رضي اللّه عنه أنّه قال : « سألت رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) من السيّد ؟ فقال : سألت جبريل عنه فقال هو العاقل » « 5 » . وعن عائشة رضي اللّه عنها أنّها قالت : « سألت رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) بأي شيء يتفاضل النّاس ؟ قال : بالعقل في الدّنيا والآخرة . قالت : أليس يجزى بأعمالهم . قال : يا عائشة وهل يعمل بطاعة اللّه إلّا من عقل ؟ فبقدر عقولهم يعملون وعلى قدر أعمالهم يجزون » « 6 » . وقيل « 7 » في تأويل قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى

--> ( 1 ) هو سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ( ت 793 ه 1390 م ) من أئمة العربية والبيان والمنطق ، وله تصانيف عديدة فيها . أنظر : الدرر الكامنة 4 / 350 ؛ بغية الدعاة 391 ؛ مفتاح السعادة 1 / 165 . ( 2 ) رحمه الله . ساقطة في بقية النسخ . ( 3 ) جاء في الأصل : وقال صاحب شرح الشفاء . وهو أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي ( ت 1069 ه 1659 م ) لغوي ، أديب . ولد بمصر وتوفي بها . له عدة تصانيف لغوية وأدبية . خلاصة الأثر 1 / 331 - 343 ؛ سلافة العصر 412 - 419 . وعنوان الكتاب : نسيم الرياض في شرح الشفاء للقاضي عياض . معجم المؤلفين 2 / 138 . ( 4 ) نسيم الرياض في شرح الشفاء 1 / 456 . ( 5 ) نهاية الأرب للنويري 3 / 231 . ( 6 ) نوادر الأصول 110 ب ؛ إحياء علوم الدين 1 / 84 . ( 7 ) ساقطة في نور 3756 وداماد إبراهيم 946 ، وعاطف أفندي .