حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
449
التمييز
الا وإنّ خير الزاد ما صحبه التقوى ، وخير العمل ما تقدّمه النيّة ، وأعلى النّاس عند اللّه منزلة أخوفهم منه ، إنّما هو خير يرجى أو شرّ يتّقى ، أو باطل عرف فاجتنب ، أو حقّ تيقن فطلب ، وآخرة أظلّه إقبالها فسعى لها ، ودنيا أزف فناؤها فأعرض عنها . وجاء في الحديث « يا أبا هريرة ، تقول الملائكة : ليس العجب ممّن هلك كيف هلك ولكنّ العجب ممّن نجا كيف نجا » ، ومن جعل قوّته الشهويّة والغضبيّة مقهورتين على مقتضى الشريعة فكان حينئذ « 1 » ميّتا بالإرادة حيّا بالطبيعة ومن أمات نفسه في الدّنيا فقد أحياها في الدّارين . شعر ( البسيط ) لا يعجز الموت شيء دون خالقه والموت فان إذا ما فاته الأجل وقال علي كرم اللّه وجهه : يأمن الخائف إذا وصل ما خافه ، وجاء في الحديث : « لو أنّ الطير والبهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا » « 2 » ، شعر « 3 » ( الطويل ) نرى الشيء ممّا نتّقي فنخافه وما لا نرى ممّا يقي اللّه أكثر فثق والتجئ بالله ممّا تخافه وقاية ربّ العرش أعلى وأكبر قال لقمان : أفضل ما يمنن اللّه به على عباده الأمن في الدّنيا والآخرة ، وممّا أوصى به عليّ رضي اللّه عنه بعض بنيه : كن مع اللّه بالصّدق ، وأصحب الخلق بحسن الخلق ، وإنّ العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنّة وهو غير عابد ، ويبلغ بسوء خلقه أسفل دركة في جهنّم / 222 ب / وهو عابد ، ولهذا يقال حسن الخلق غنيمة . وروي أنّ الحسن البصري نظر إلى ميّت يدفن ، فقال : إنّ شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوّله ، وإنّ شيئا هذا أوّله لحقيق أن يخاف من آخره . وقال حكيم : أعقل النّاس
--> ( 1 ) جاءت في الأصل على شكل : ح . ( 2 ) الجامع الصغير 2 / 218 . ( 3 ) البيتان رواهما ابن قتيبة في عيون الأخبار عن ابن الكلبي عن رجل من ولد عمر بن الخطاب : عيون الأخبار ، م 1 ج 3 / 264 .