حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

448

التمييز

فسبحان من أخفى عن الخلق علمه ودار كما شاء الأمور ودبّرا وقال عليّ رضي اللّه عنه في بعض خطبه : أيّها النّاس : لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم لوهلتم وجزعتم وسمعتم وأطعتم ، ولكن محجوب عنكم ما عاينوا وقريب ما يطرح الحجاب ، ولقد بصّرتم لو أبصرتم وأسمعتم لو سمعتم ، وهديتم لو اهتديتم . بحقّ أقول لقد جاهرتكم العبر وزجرتم بما فيه مزدجر ، فاتّقوا اللّه عباد اللّه ، وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما بقي لكم بما يزول عنكم ، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا فإنّ اللّه لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى ، وما / 221 ب / بين أحدكم وبين الجنّة أو النّار إلّا الموت أن ينزل به . وإنّ غاية تنقصها اللّحظة وتهدمها السّاعة لجديرة بقصر المدّة ، وإنّ غائبا يحدوه اللّيل والنّهار لحرّي بسرعة الأوبة ، وإنّ قادما يقدم بالفوز والشقوة لمستحق لأفضل العدّة فتزوّدوا اليوم في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به نفوسكم غدا في الآخرة . فاتّقى عبد ربّه نصح نفسه وقدّم توبته وغلب شهوته فإنّ أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليرتكبها ، ويمنّيه التوبة ليسوّفها حتّى تهجم منيّته عليه أغفل ما يكون عنها . فيا لها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجّة ، وأن تؤدّيه أيامه إلى شقوة ! . جعلنا اللّه ممّن لا تبطره نعمة ولا تقصّر به عن طاعة ربّه غاية ، ولا تحلّ به بعد الموت ندامة ، كيف يعمل للآخرة من تنقطع عن الدّنيا رغبته ولا تنقضي منها شهوته ، والعجب ممّن يصدّق بدار البقاء وهو يسعى لدار الفناء ، وعجيب لمن « 1 » يحتمي عن الطيّبات مخافة الدّاء ، كيف لا يحتمي عن المعاصي مخافة النّار ! . فلا تشغلكم دنياكم عن آخرتكم ، ولا تؤثروا هواكم على طاعة ربّكم ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، ومهّدوا لها قبل أن تعذّبوا ، وتزوّدوا للرحيل قبل أن تزعجوا ، فإنّما هو موقف عدل واقتضاء حق ، وسؤال عن واجب . إنّ أفضل النّاس عبد أخذ من الدّنيا الكفاف وصاحب العفاف ، / 222 أ / وتزوّد للرحيل وتأهّب للمسير .

--> ( 1 ) جاءت في نور عثمانية 3755 : ممّن .