حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

447

التمييز

فليس ينبغي أن يقال أنّ الموت جيّد ، ولا رديّ لكنّه بالإضافة إلى الشيء يكون جيّدا ورديّا ، وقد سمّى اللّه الموت مصيبة في قوله تعالى : فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ « 1 » . وهو من أعظم المصائب ، وأعظم منه الخوف منه والغفلة عنه والإعراض عن ذكره وترك التفكّر فيه والاستعداد له والعمل لنائبته . وإنّ فيه وحده عبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكّر ، وذكروا الموت عند حكيم فقال : لم يدع لي صدقه أملا . إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النّعيم نعيمهم ، فالتمسوا نعيما لا موت فيه . العجب كلّ العجب من غفلة الإنسان وسهوه عن هذا الأمر العظيم وهو يساق إليه سوقا حثيثا في كل يوم وليلة وفي كلّ ساعة وطرفة عين وقد أظلّه وهو لا بدّ لاقيه ، شعر ( الطويل ) / 221 أ / حياة الفتى سير إلى الموت قاصد ولا عنق إلّا وهو في فتر خانق وصفة الرأفة تقتضي دفع ذلك لولا ما سبق العلم ، ولا بدّ لكلّ عبد من لقاء ربّه . وقال ابن المعتزّ : الموت سهم مرسل إلى كلّ ذي روح ، والعمر بقدر سفر السهم إلى المرسل إليه . وقال سداد بن أوس « 2 » : الموت أفظع هول في الدّنيا والآخرة على المؤمن ، والحياة أقرب الأوصاف إلى الذّات لا شيء أقرب إلى الذّات من وصف الحياة ، شعر ( الطويل ) لقد صنع اللّه الكريم لخلقه بتبصير علم الغيب سرّا مخدّرا فلو علم الإنسان علم حياته تنفّس في عزّ طغى وتكبرا كما لو درى أنّ الوفاة قريبة لأصبح كزّا آيسا وتحيّرا فلم يسع في حرث ونسل ولم يكن ليطلب علما أو يشيّد مفخرا

--> ( 1 ) سورة المائدة : آية ( 106 ) . ( 2 ) سبقت ترجمته .