حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

436

التمييز

للإنسان أن يجاهد هواه حتّى يتخلّص من أذاه ، والإنسان بعقله صار معدن العلم ومركز الحكمة فمن أطاع مولاه وجاهد هواه كانت الجنّة نزله ومأواه ، وليس أخرب للخواطر ولا أجلب للغموم إليها من الرّغبة في الدّنيا . قال في الطبّ الروحاني : والهوى إذا تصوّر بالعقل فقدا لموافق المحبوب عرّض نفسه للغمّ ، ولمّا كانت المادة الّتي منها يتولد الغموم / 215 أ / إنّما هي فقد المحبوبات وجب أن يكون أكثر النّاس وأشدّهم غمّا ، من كانت محبوباته أكثر عددا وكان لها أشدّ حبّا وأقلّ النّاس غمّا ، من كانت حالته بالضدّ من ذلك ، فقد ينبغي للعاقل أن يقطع موادّ الغمّ عنه بالاستقلال من الأشياء الّتي يجلب فقدها الغمّ ، ولا يغترّ بما معها ما دامت موجودة من الحلاوة بل يتذكّر ويتصوّر المرارة المتجرّعة عنه فقدها ، فإذا كان الأمر على هذا فما الرأي إلّا التقلّل منها وطرحها ما أمكن ، ولا يقيمها في نفسه وهمّه ويعلم أنّها ليست ممّا يمكن أن تبقى وتدوم بحالها ، ولا يخلو من تذكّر ذلك وأخطاره وتصحيح العزم على شدّة الجلد والتعزّي متى حدث ذلك بها فإنّ ذلك تدمّن ورياضة وتقوية وتدريج للنّفس على قلّة الجزع عند حدوث المصائب لقلّة ما كان من اعتداده وثقته وركونه إلى بقاء محبوباته في حال وجودها ، ولكثرة ما مثّل للنفس وعوّدها وألبسها يتصوّر المصائب قبل حدوثها « 1 » . شعر « 2 » . ( المتقارب ) يصوّر ذو اللّب في نفسه مصائبه قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتة لم يرع لما كان في نفسه مثلا رأى الأمر يفضي إلى آخر فصيّر آخره أوّلا وذو الجهل يأمن أيّامه وينسى مصارع من قد خلا فإن دهمته صروف الزمان ببعض مصائبه أعولا / 215 ب /

--> ( 1 ) الطب الروحاني للرازي ، ص 83 - 86 . ( 2 ) تنسب هذه الأبيات لمحمود الوراق ، بهجة المجالس 2 / 354 ، وفي الطب الروحاني بدون نسبة .