حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

435

التمييز

للإنسان إن كان ملكا أن ينظر إلى من تقدّمه من الملوك وما فعل الدّهر بهم كيف خلوّا قصورهم وحلوا قبورهم ، وكذلك إن كان وزيرا أو غير ذلك من أصناف النّاس فصفاتهم في تقلّب الدّنيا بهم معلومة مذكورة وأحوالهم فيها مأثورة مشهورة وكلّ واحد منّا يعلم هذا من نفسه ويراه في غيره ، شعر ( البسيط ) : الموت لا بدّ آت فاستعدّ له إنّ اللبيب بذكر الموت مشغول أنعى « 1 » إليك القاسي فإنّه ميّت وإن كان متحركا وأعمى وإن كان رائيا ، فاحذر القسوة فإنّها أمّ الخطايا وامارة الطبع ، وهي الشوهاء العاقر والدّاهية العقام ، ولم يصر الإنسان إنسانا إلّا بالفكرة والعقل الّذي به يميّز الخير والشر / 214 ب / والنّفع والضرّ ، ومن صرف همّته كلّها إلى تربية القوّة الفكريّة بالعلم والعمل فقد لحق بأفق الملك . وقد قال اللّه تعالى في حقّ إنسان إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ « 2 » ، وجاء في الحديث « عليكم بقول لا إله إلّا اللّه والاستغفار فإن إبليس يقول أهلكت النّاس بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار » . « 3 » وقال عليّ كرم اللّه وجهه : عجبت لمن يهلك ومعه النّجاة . قيل : وما هي ؟ قال : الاستغفار ، والاستغفار هو سؤال العبد ربّه أن يستره . والمغفرة وهي أنّ يستر القادر القبيح الصّادر ممّن تحت قدرته ، وإنّما سميّ المغفر مغفرا لأنّه يغطي الرأس ويستره . أكثر الاستغفار ما دمت في هذه الدّار ، فإنّه يطفئ غضب الجبار . وكان الفضيل بن عياض « 4 » يقول لمن خرج في جهاد : عليكم بالتّوبة فإنّها ترد عنكم ما لا تردّه السّيوف . وروي عن سفيان الثوري « 5 » أنّه كان يقول : إنّك إن تلقي اللّه بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد ممّا بينك وبين العباد . وإذا اتصف الهوى بالصفا قلّ البلا ، فحقّ

--> ( 1 ) النعي : الاخبار بالموت . ( 2 ) سورة يوسف : آية ( 31 ) . ( 3 ) الجامع الصغير 2 / 108 . ( 4 ) سبقت ترجمته . ( 5 ) سبقت ترجمته .