حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

431

التمييز

خاف ذنوبه وخشي عاقبتها يوم القيامة فإنّ خوفه من ذنوبه وندمه عليها من الدّليل على المغفرة لها مع ما من اللّه عليه من الإيمان ومحبّة اللّه ورسوله . فسبحان من أكرم المؤمنين بهذه الكرامة ، وجعل ما قدّر عليهم ولهم خيرا ورحمة بهم وتصفية لأكدارهم وتنويرا لأفئدتهم وزيادة لأقدارهم ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم / 211 ب / أنّه قال : « أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّي رسول اللّه لا يلقى اللّه بهما عبد غير شاكّ فيحجب عن الجنّة » . « 1 » وروي عن أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه « 2 » أنّه قال : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : وألزمهم كلمة التقوى لا اله إلّا اللّه » « 3 » ، وإنّما سمّيت هذه الكلمة كلمة التقوى لأنّها صارت وقاية لتوحيده ، فإنّه أثبت عقد المعرفة بإلهه قلبا وباللّسان نطقا إنّه الهه فاستوى اللّسان بالقلب والقلب باللّسان ، فقد صدّق بالكلمة لسانه وقلبه وأخلص روحه فاستوجب النظر إليه والوقاية له . والوقاية فرط الصّيانة وهو في عرف الشّرع اسم لمن يقي نفسه عمّا يضرّه في الآخرة . وله ثلاث مراتب ؛ الأولى التوقّي عن العذاب المخلّد بالتبرّي عن الشرك وعليه قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى « 4 » . والثانية التجنّب عن كلّ ما يؤثم من فعل أو ترك حتّى الصغائر عند قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع ، وهو المعنى بقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا « 5 » ، والثّالثة أن يتنزّه عمّا يشغل سرّه عن الحقّ وهو المطلوب بقوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ « 6 » ، وقد فسّر قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ « 7 » ، على الأوجه الثلاث في تفسير البيضاوي رحمه اللّه « 8 » . وقال الحسن البصري : ما رأيت يقينا أشبه بالشّك من يقين النّاس بالموت

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحة ، ص 55 - 57 . ( 2 ) سبقت ترجمة . ( 3 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الايمان حديث رقم 19 . ( 4 ) سورة الفتح : آية ( 26 ) . ( 5 ) سورة آل عمران : آية ( 96 ) . ( 6 ) سورة آل عمران : آية ( 102 ) . ( 7 ) سورة البقرة : آية ( 2 ) . ( 8 ) تفسير البيضاوي ، تفسير سورة البقرة : آية 2 ، ص 7 - 8 .