حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
423
التمييز
عالمها عليها بأن جعلها خادمة لعقله فإنّها تستخدم الأعضاء فيما يحبه العقل ويرتضيه . وهذه النفس المطمئنّة وإن كانت قد قويت على عالمها واتّبعت الهوى وشهوات الأعضاء فإنّها تستعمل الأعضاء فيما تحبّ ويأباه العقل وهذه النّفس الأمّارة بالسوء ، ولا تخرج عن تصرفات العقل إلّا بالقهر والغلبة عليه وفي قول الله تعالى لرسوله صلّى الله عليه وسلم إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ « 1 » بدأ بالخطاب به تسلية للنّفوس . وروي عن قتادة رضي الله عنه أنّه قال : مرّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجنازة فقال « مستريح أو مستراح منه ، قيل : ما المستريح وما المستراح منه يا رسول الله ، قال : العبد المؤمن يستريح من نصب الدّنيا وأذاها ، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والشجر والدواب » « 2 » : وإنّما يجزع من الموت أهل الجاهليّة والفساق . أما أهل الجاهليّة / 206 ب / فلما يفوتهم ممّا يخلّفونه من الدّنيا فيها بالموت ؛ إما الأموال وإمّا اللذات وإما الكرامات بالجاه وغير ذلك ، وأمّا الفساق فلأجل شيئين ؛ أحدهما ما يفوته من دنياه والثاني لانّه يرى السعادة تفوته بموته فهو في ذلك أشدّ جزعا من الجاهليّة لانّ أهل الجاهلية لم يعلموا بسعادة أصلا بعد الموت فيروا أنّها تفوتهم وهؤلاء علموا فيلحقهم عند موتهم من الجزع والأسف على ما يفوتهم ندامة عظيمة على ما قدّموه في حياتهم فيموتون وهم مغتمّون من وجوه كثيرة . قال الله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ « 3 » أي في اللّوح المحفوظ . وقيل كنتم في علم الله فينبغي لمن هو من هذه الأمّة المحمديّة أن يتخلق بالأخلاق الزكيّة ، والأفعال الرضيّة ، والأقوال النقية ، فيثبت له ما لهذه الأمّة من الأوصاف المرضيّة ، ويتأهل لما لها من الخيريّة ، ومن لم تعمّه الفضائل الجمّة فقد جهل الرحمة ، وأضاع النّعمة . ولو كانت الأجساد مخلّدة في الدّنيا ما وسعتهم وكانوا إلى التكبّر والتجبّر أضلّ وأطوع ، فهمّ الموت يشغلهم . ومن الحكمة البالغة والنّعم الظّاهرة عموم الموت على الخلق كافّة وكونه
--> ( 1 ) سورة الزمر : آية ( 30 ) . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، ص 656 . ( 3 ) سورة آل عمران : آية ( 110 ) .