حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
424
التمييز
لا يعلم جهة حصوله ولا يعلم حقيقته ولا مرضه الذي يكون فيه فلا يقدر أحد على الامتناع منه ، لا ملك لملكه ولا صاحب مال لماله ولا طبيب لطبّه ولا عالم لعلمه ولا زاهد لزهده ولا نبي لشرفه ولا ملك لقربه . وإيهام الأجل أن يكون الآدميّ على قدم الخوف في كلّ وقت وحين وذلك خير له من أن يعرف منتهى أجله . وقد قسم الزّمان النّعم وجعل لها وقتا وأجلا ، ولم يعد الخلود بها ، وقد أخذها من قوم وتركها عند آخرين وكلّ منتبذ ما عنده لا محالة ، وليس من شرطه حين أفادها أن لا يعود إلى أخذها / 207 أ / منهم ولا ذلك في أمل الآمل من العقلاء ، وإنّما هي متعة وأيّام معدودة وما كان لآخره نهاية ، وأمامه محص فعن قليل نفاد وقته وفناء مدّته ، وإنّ كثرت الاشتغال بالدّنيا وإفراغ المجهود فيها والميل بالكليّة إليها وحلاوة أحاديثها ولذّة أمانيها يمنع حرارة ذكر الموت أن ترد على القلب وأن تلج فيه لأنّ القلب إذا امتلأ بشيء لم يكن لشيء آخر فيه مدخل ولا لسواه فيه مجال ، ومتى دام القلب على هذا لم يكن لذكر الموت فيه تأثير ولا لترداده عليه جلاء ، وكيف يؤثر ولم يجد مكانا ينزل فيه ولا موضعا يتعلق به وقد ملأه حب الشهوات الفانية ، واللذات المتصرمة ، فهو شبعان ريّان حيران سكران أصمّ أعمى إن عرض له طريق هدى لم يره ، أو نودي باجتناب رديء لم يسمعه ، فإن القلب لم يسمع إلّا شيئا واحدا وقد قال الله تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ « 1 » . ومن كلام أبي مدين « 2 » : ليس للقلب إلّا وجهة واحدة متى توجّه إليها حجب عن غيرها ، فإذا أراد صاحب هذا القلب سماع الحكمة والانتفاع بالموعظة لم يكن له بدّ من تفريغه ليجد الذكر فيه منزلا وتلقى الموعظة فيه محلّا ولا يزال يتعاهده ويتفقده بالادّكار ، والنّظر والافتكار والاعتبار آناء الليل وأطراف النهار ، لئلا يرجع إلى ما كان عليه فتعود قسوته إليه فإن لم يقدر على / 207 ب / تفريغه بمرّة ، فرّغ منه ما أمكن وجعل مكان ما أزال ضده ، فيجعل
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : آية ( 4 ) . ( 2 ) جاءت في داماد إبراهيم 945 : وقال أبو مدين . وهو شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني ( ت 594 ه / 1198 م ) من مشاهير الصوفية ، أقام في فاس وكثر اتباعه ، وكانت وفاته بتلمسان . له مفاتيح الغيب لإزالة الريب . شذرات الذهب ، 4 / 303 ؛ تعريف الخلف 2 / 172 - 178 ؛ جذوة الاقتباس 332 .