حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
422
التمييز
يشاء ، وإنّ الله أسكن عباده هذه الدار وجعلها منزلة سفر من الاسفار ، وجعل بين الدّنيا والآخرة برزخا يدلّ على فناء الدّنيا بالاعتبار فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار ، ويرفق بعباده في جميع الأقدار . قال مجاهد رضي الله عنه / 205 ب / في قوله تعالى : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 1 » البرزخ الحاجز بين البعث والرجوع إلى الدّنيا . وسمع الشعبي رجلا يقول : مات فلان فأصبح من أهل الآخرة . فقال : لا تقل من أهل الآخرة ولكن قل من أهل القبور ليس هو في الدّنيا ولا في الآخرة بل هو في برزخ إلى يوم يبعثون . وللرّوح علم كلّي بل هو عين العلم الكلّي فإذا فارق البدن يلحق إلى عالمه الذي هو نتيجة عالم المعاني ومبدأ العلوم والمعارف . ولمّا دعى الله الأرواح من هياكلها بمشاكلها حنّت إلى ذلك الدعاء وهان عليها مفارقة الوعاء فكان لها الانفساح بالسّراح من هذه الأشباح ، ثم إذا وقعت الإعادة عادت إلى ما كانت عليه روحا وجسما وفيه اللقاء الإلهي والبقاء الكوني [ أي من غير فساد ] « 2 » . وإنّ الله لما خلق خلقا يعرفونه اقتضت الحكمة أن يكون فيهم طائع يرجو الثواب ، وعاص يخاف العقاب ، ليكون الباري تعالى يرجى ويخاف ، ويعاقب ويغفر ليظهر بذلك الجبروت والرّحمة ، وأخفى رضاه في طاعته ، فلا تحتقر طاعة فقد يكون رضاه فيها وهي الغاية القصوى ، وأخفى سخطه في معاصيه ، فلا تحتقر معصية فقد يكون فيها السّخط . ولم يجعل الله القضاء والقدر حجّة وجعله خفيّا عن الخلق . الحقيقة لا ينطق بها لسان بل هي ذوق ووجدان ، وجعل الله الأرواح محرّكة للأجسام / 206 أ / مصرّفة لها ، وهي أمر حقيقيّ لا ينكر ظاهر الوجود وسرّ من أسرار الله تعالى لم يأت علمه البشر ولا يجوز البحث عنه ولا يقال بأكثر من أنّه موجود إذ هو لا يجدي نفعا بل يزيد حيرة وأنّ الحكمة منها مجهولة ومسكوت عنها ومرموز بها . قال الله لم يزل جليلا وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 3 » . ولا يرى لطائف الأرواح إلّا من تصفّى من كثائف الأشباح ، فإذا قبله العقل وفهمه فإن كانت النّفس شريفة قوى
--> ( 1 ) سورة المؤمنون : آية ( 100 ) . ( 2 ) زيادة من نور عثمانية 3753 وداماد إبراهيم 946 . ( 3 ) سورة الإسراء : آية ( 85 ) .