حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
418
التمييز
الترجيح إلى جانب العلم الشامل للخير والشرّ ، ولكنّ الحق تعالى ما وقف هنا لأنّ رحمته سبقت غضبه بل قال معلّما لعباده « فليظن بي خيرا » بصيغة الأمر فما عاد على العبد إلّا سوء ظنّه وليس هو على يقين من الحياة نفسا واحدا . وفي التنزيل ما يؤيّده وهو قوله تعالى إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ « 1 » . وقوله تعالى سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ « 2 » . وفي الحديث قوله صلى اللّه عليه وسلّم « إنّما هي أعمالكم تردّ عليكم » ، والظنّ عمل قلبي فافهم . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي « 3 » : حقيقة زوال الهوى من القلب حبّه لقاء اللّه في كلّ نفس من غير اختيار حالة يكون المرء « 4 » عليها ، والنّفس لا تحب البقاء في هذه الدّار إلّا إذا كانت قذرة راضية بالأعراض الدنيوية رضاء الجعل بالقاذورات أو تكون جاهلة بالمآل . شعر ( مجزوء الرمل ) ليس في الدّنيا لمن آمن بالبعث سرور انّما يفرح بالدنيا جهول وكفور وإن النّاس ضربان ؛ ضرب لم يتخصّص من الإنسانية إلّا بالصورة والنطق وهو دون البهائم ، وضرب هو الانسان / 203 أ / وهو العنيّ بما خلق له . ومن كان كذلك فله حالتان : إحداهما حالته وهو في الدّنيا صريع جوعه وأسير شبعه تنتنه العرقة وتورمه البقّة وتقتله الشرقة لا حكم له بأنّه أفضل من الملائكة على الاطلاق . والحالة الثانية أن يكون قد اقتحم العقبة وفك الرّقبة بعد ما قضى ما أمره فصار ذا حياة بلا فناء وغناء بلا فقر وعزّ بلا ذلّ وعلم بلا جهل وقد قام الملائكة بخدمته يدخلون عليهم من كلّ باب ، فحينئذ من حصل له هذه المنزلة أفضل من كثير من الملائكة ، وفي الدّنيا الحاجات آلام ، ومن تعرّى من التقوى لم يستتر بشيء من الدّنيا .
--> ( 1 ) سورة القلم : آية ( 39 ) . ( 2 ) سورة الأنعام : آية ( 139 ) . ( 3 ) هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي ، نزيل الإسكندرية ، وشيخ الطريقة الشاذلية ، كان كبير المقدار عالي الهمة ، صحب الشيخ نجم الدين الاصفهاني وغيره وأخذ عنهم العلم ، مات بصحراء عيذاب سنة 656 ه / 1258 م . جمهرة الأولياء واعلام أهل التصوف ، ص 212 - 213 . ( 4 ) جاءت في داماد إبراهيم 946 : العبد .