حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
419
التمييز
ونقل عن بعض أهل البيت : أن للجود بعد انقضاء الرّحمة المقسومة يوم القيامة بين أهل الجنّة عملا وشأنا لا يعلم به إلا اللّه تعالى . شعر ( السريع ) حدّث عن الجود وعن فيضه فالأمر مبني على الجود هيهات ما جود مليك الورى وخالق الخلق بمحدود وجاء في الحديث « إنّ للّه مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولده ، وأخّر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة » « 1 » . وشواهد هذا في القرآن الكريم كثيرة ومداره على ثلاث قواعد ؛ ايمان ، وتقوى ، وعمل خالص للّه على موافقة السنّة ، فأهل / 203 ب / هذه الأصول الثلاثة هم أهل البشرى دون من عداهم من سائر الخلق وعليها دارت بشارات القرآن الكريم والسنة جميعها ، وهي تجتمع في أصلين ؛ اخلاص في طاعة اللّه وإحسان إلى خلق اللّه ، وترجع إلى خصلة واحدة وهي موافقة البارئ في محابّه ، ولا طريق إلى ذلك إلّا بتحقيق القدوة ظاهرا وباطنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وأمّا الأعمال التي هي تفاصيل هذا الأصل فاعلاها قوله لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وبين هاتين سائر اعمال البرّ التي مرجعها إلى تصديق رسول اللّه في كلّ ما أخبر به وطاعته في جميع ما أمر به ونهى عنه ، وذلك لكلّ من عقل وتكاملت فيه خلال الخير . وقد تستعمل لفظة التبشير في الإخبار بالشرّ كما في قوله تعالى فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 2 » إلّا انّه إذا أطلق لفظها وقع على الخير كقوله تعالي لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ « 3 » . والعلّة فيه أن البشارة إنّما سمّيت بذلك لاستبانة تأثير خيرها في بشرة من بشرّ بها ، وقد تتغيّر البشرة للمساءة بالمكروه ، هذا وجه الاشتراك .
--> ( 1 ) سنن ابن ماجة ، ص 1435 . ( 2 ) سورة الانشقاق : آية ( 24 ) . ( 3 ) سورة يونس : آية ( 64 ) .