حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
351
التمييز
بأصل الدّرهم أنّه خالص من شبهة ، ومصادفة حكم اللّه في المعاملة ، فإذا فقد أحد هذه المعاني فهو شبهة إلى الحلال أقرب ، فإذا فقد معنيان فهي شبهة الحرام ، فإذا فقدت المعاني الثلاث حتّى يكون السبب الذي وصل به المعتاض مكروها ، وعين الدرهم مجهولة ، ولم يصادف فيها حكم الشّرع في البيع والشراء والهبة بطيب نفس فهذا هو الحرام بعينه ، الحلال بغية المسلمين وطعمة المتقين ومقام الصالحين ، طلبه جهاد ، وإطعامه برّ ، والمعاونة عليه معروف ، وأكله عبادة ، والمدمن عليه برّ تقيّ ، وترك الاستكثار منه أفضل والخير في ذلك أشمل . وأمّا الحرام أكله فسق وطلبه فسق واطعامه للناس فسق والمعاونة عليه ضلال ليس حاجة المسلمين ولا بغيتهم . وأصل وجود الحلال في الكافّة عدل الأئمة واستقامة الولاة وإطاعة / 170 ب / أوليائهم وتقوى الرعيّة ، فإذا قلّ ذلك غاض « 1 » الحلال واختفى وظهر الحرام وطغى ، وكان الحلال عزيزا وصار في خصوص من المسلمين يختصّ به اللّه من يشاء ويوفّق إليه من يريد ، ويصرفه إلى من أحبّ كيف أحب ، وجاء في الحديث « طلب الحلال فريضة على كل مسلم » « 2 » ، والفرائض إذا شرّعت ثبتت إلى يوم القيامة ، فالحلال موجود من حيث كان مفروضا ولكنّ طريقه ضيّق ، ووجوهه غامضة ، والتّسبب إليه مشقّة أو ذلّة ، ومع ذلك أنّ المعاون عليه قليل ، والطّالب له عزيز ، ويحتاج الرّاغب فيه إلى أصل من القناعة وفرع من الزّهادة وثمرة من الرّعة « 3 » ، ونصيب من الحكمة ، وهذه أسباب تكرهها النّفوس لما فيها من الشدّة والبؤس . ينبغي للعبد أن يطلب الحلال فيكون همّه وقصده قد عمل للّه بما يعلم بأن يستخرج له الحلال من الحرام باختيار عن علمه ، كما يستخرج العلم من الجهل ، والتوحيد من الشّرك والذّكر من الغفلة والزّهد من الرّغبة بتخصيص من رحمته ، وبلطيفة من حكمته ، ويسوقه وييسّره إليه ويوفّقه له ويثوبه عليه ، ومن يتّقي اللّه يقيه ويحرسه ويحميه وما أخطأ وراء ذلك فهو معفوّ الخطأ ، من قبيل المن
--> ( 1 ) غاض : نقص أو غار ، لسان العرب ( مادة : غيض ) . ( 2 ) الفتح الكبير 2 / 212 . ( 3 ) الرعة : الهدوء ، السكون .