حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
349
التمييز
في الدّنيا أحبّه اللّه ومن ترك / 168 ب / الطمع أحبه النّاس ، وليس أضرّ بآخرة ابن آدم من اشتغاله بأمور الدّنيا ، من عرف كفّ ، فمن وجد كفافا فليكفّ ، ومن تجاوزه فليخف ، وثلمة الحرص لا يسدّها إلّا التراب . قال الشيخ ابن العربيّ : التوجه إلى الحاجات الجزئية يمنع الرّجل من كثير من الفضائل . وقال لقمان : من رضي باليسير طابت معيشته ، ومن قنع بحاله كان أهدى لباله ، ومن قلّ سعيه استراح ، ومن لم يغنه ما يكفيه أعجزه ما يغينه ، ومن لم يحبس النّفس عن مرادها لم يملك قيادها . وقال بزرجمهر : الدّنيا تطلب لثلاثة أشياء ، للغنى ، والعزّ ، والرّاحة ، فمن زهد فيها عز ، ومن قنع استغنى ، ومن يأس ممّا في أيدي النّاس استراح . وجاء في الحديث : « قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنّعه اللّه بما أتاه » « 1 » . وفي حديث آخر « من تشعبت به الهموم لم يبال اللّه في أيّ أوديتها هلك » « 2 » . وكان شقيق « 3 » يقول : إنّ المكاسب اليوم قد فسدت ، وإنّ التجارات والصّناعات كلّها شبهات لا يحلّ الاستكثار منها لوجود الغشّ وعدم النّصح ، وإنّما ينبغي للمسلم أن يسدّ منها ضرورته ولا يلام ابن آدم على كفاف ، وجاء في الحديث « الايمان نظيف فتنظفوا وتنزهوا » ، وفي معنى التنزه التباعد / 169 أ / عن الدناءة وممّا ينسبوه إلى فحش ، والشهبة طريق إلى الحرام . والخبر الشافي دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإنّ الخير طمأنينة والشر ريبة ، أي أترك ما تشك فيه أنّه حلال إلى شيء آخر لا شك فيه ، فإن الشر ريبة أي شكّ ليس بيقين ، وعلى العبد أن لا يرخّص لنفسه رخصة فإنّ قصر علمه استعان بعلم غيره . وقال بعض الأبدال : نهر طالوت نهر بلوى ، فهو نهر الدّنيا من أخذ القوت منها لم يتعدّ فتلك الغرفة التي اغترفها من النّهر بيده فذلك هو الكسب ، فإنّ تجرّد عن الكسب فهو قوله ومن لم يطعمه فإنّه منّي ، فقوت المتجرّد ليس من
--> ( 1 ) سنن ابن ماجة ( الزهد ) ص 1386 . ( 2 ) سنن ابن ماجة ( مقدمة ) ص 95 . ( 3 ) هو أبو علي بن إبراهيم من أهل بلخ ، من مشاهير خراسان واحد كبار الزهاد ، وهو أول من تكلم في علوم الأحوال . طبقات الصوفية ، 61 - 66 ؛ حلية الأولياء 8 / 58 - 73 ، صفة الصفوة 4 / 159 - 160 .