حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
285
التمييز
الوجه الثاني أنّ الذي شغل بنفسه وطلب رضا النّاس عنه وتحسين اعتقادهم فيه مغرور لأنّه لو عرف حقّ المعرفة علم أنّ الخلق لا تغني عنه شيئا فإنّ ضرره ونفعه بيد اللّه ، ومن لا يرى في الدّنيا إلّا خالقه وسقطت نفسه عن قلبه فلا يبالي بأيّ حال يرونه متواضعا . وأمّا التجارب فإنّها تستفاد من مخالطة الخلق ومجاري أحوالهم . العقل الأصلي ليس كافيا في تفهيم مصالح الدّين والدّنيا وإنّما يفيدها التجربة والممارسة فالصبيّ إذا اعتزل النّاس بقي عمرا جاهلا ينبغي أن يشتغل بالتعلّم ويحصّل في مدّة التعلم ما يحتاج إليه في حالتي المخالطة والعزلة . ومن أهم التجارب أن يجرّب نفسه وأخلاقه وصفات باطنه وذلك لا يقدر عليه في الخلوة وكلّ غضوب أو حقود أو حسود أو متكبّر أو غير ذلك من الأخلاق الردّية والصفات المذمومة إذا خلا ونفسه لم يترشح منه خبثه ، وهذه الصفات مهلكات / 137 ب / في أنفسها يجب إماطتها وقهرها ولا يكفي تسكينها بالتباعد عما يحركها ، فمثال القلب المشحون بهذه الخبائث مثال دمّل ممتل بالقيح والمدّة « 1 » ، وقد لا يحسّ صاحبها بألمه ما لم يحرّك أو يمسّه غيره فإن لم يكن له يد تمسّه أو عين تبصر صورته ولم يكن معه من يحرّكه ربما ظنّ بنفسه السلامة ولم يشعر بالدمّل في نفسه واعتقد فقده ولكن لو حرّك محرّك أو أصابته شرطة حجّام انفجر منه القيح وفار فوران الشيء المحتقن إذا حبس عن الاسترسال فكذلك القلب المشحون بالأخلاق الذّميمة والصفات القبيحة إنّما يفجر منه خبائثه إذا حرّك ، فالمخالطة لها فائدة ظاهرة في استخراج الخبائث وإظهارها . ولذلك يقال السفر يسفر عن أخلاق الرجال فإنّه نوع من المخالطة الدائمة . ولهذا كان السالكون لطريق الآخرة والطالبون لتزكية القلوب يجرّبون أنفسهم فمن يستشعر في نفسه كبرا كان يحمل على ظهره قربة ماء أو حزمة حطب بين الناس ويتردّد في الأسواق ليجرّب به نفسه ، فإنّ غوائل النّفس ومكايد الشّيطان خفية قلّ من يفطن لها .
--> ( 1 ) المدّة : القيح ، والدليل على القروح . كتاب ما الفارق أو الفروق أو الكلام في الفروق بين الأمراض للرازي ، ص 290 - 291 .