حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
274
التمييز
مضى الودّ والانصاف والعهد منهم فما بقيت إلّا الظنون الكواذب وكنت أرى أن التجارب عدّة فخانت ثقات النّاس حتى التجارب أبيت أنادي الدّهر جد لي بصاحب وجلّ طلاب الدهر ما أنا طالب حسن الخلق أن تكون من النّاس قريبا وفيما بينهم غريبا . والعزلة نوعان : فريضة وفضيلة ؛ فالفريضة العزلة عن الشرّ وأهله ، والفضيلة العزلة عن الفضول ومثله ، وإذا لم يكن مقصود رؤوس الجماعة حقا كفى عذرا للعزلة عنهم فكان هنالك عما هم فيه عافية ، شعر ( الطويل ) إذا لم أجد خلا وفيّا فوحدتي ألذّ وأشهى من غوي أعاشره وأجلس وحدي للسّفاهة آمنا أقرّ لعيني من جليس أحاذره وقال الفضيل « 1 » بن عباس « 2 » : ترك العمل لأجل الناس رياء / 130 أ / والعمل لأجلهم شرك ، والإخلاص أن يعافيك اللّه منهما ، ومن استمسك بالخلوة فقد ظفر بركن من أركان الصّدق ، ومن أحب اللّه في الخلوة فقد ظفر بركن آخر ، وإذا نزّه قلبه من الميل إلى ما سواه فقد ظفر بركن آخر ، وإذا استقام تتمّ الأركان . والخلوة منية الصدّيقين ، فانجذاب النّفس إلى الخلوة دليل على كمال الاستعداد . وقال ذو النون « 3 » : العبادة حرفة دكّانها الخلوة وربحها الجنّة . وقال سفيان : الأنس بالله أن لا تستأنس بكلّ وجه صبيح ، ولا بكلّ صوت فصيح ولا بكلّ خلق مليح . قال حكيم : إنّي لا أشهد بالصدق إلّا لمن اعتزل الناس فلا
--> ( 1 ) جاءت في نور عثمانية 3755 : الفضل . ( 2 ) سبقت ترجمته . ( 3 ) هو أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم المصري ( ت 245 ه / 859 م ) أحد الزهاد والعباد المشهورين ، أصله من مصر ، كانت له فصاحة وحكمة وشعر ، اتهمه المتوكل العباسي بالزندقة ، وأطلق سراحه بعد اعتقاله ، وكانت وفاته في مصر . وفيات الأعيان 1 / 115 - 183 ؛ تاريخ بغداد 8 / 393 ؛ حلية الأولياء 9 / 331 - 395 ؛ 10 / 503 .