حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
235
التمييز
تتوسّم نجحها عنده فإنّه إن ردها إليك ساق إليك محنة وإن قضاها اتّخذها عليك منّة ، واسأل اللّه فإنّه يحب من سأله ويبغض من لم يسأله . وقال : شيئان يسلبان من المرء كمال الحريّة ؛ قبول البر وافشاء السرّ ، يعني من قبلت برّه فقد أوجبت على نفسك الخضوع له ، ومن أطلعته على سرّك فإن حذرك من إفشائه يلزمك التّقية له . وقال : أخرج الطمع من قلبك تحلّ القيد من رجلك ، ولا تذهب إلى من يواري عنك غناه . وقال « 1 » الفضيل بن عياض « 2 » : نعم الثوب العافية إذا انسدل على الكفاف ، والقناعة من حقائق التوكّل وإنّما الغنى والفقر بعد العرض على اللّه . وقال كعب « 3 » رضي اللّه عنه : مكتوب في التوراة من رضي بما أعطاه اللّه استراح في الدنيا والآخرة ، وأنّ العبد إذا تاب وتوكّل / 108 أ / فحينئذ نظر إلى مولاه الذي تولا فرآه في كلّ شيء ووثق به وقنع منه بأيسر شيء ، وصبر عليه ورضي به إذ لا غنى عنه ولا بدّ منه فثمّ لا يطمع في سواه ولا يرجو إلّا إياه ، هناك حقّت عبادته وخلص توحيده . الثقة بالله مال المؤمن . ولا توهّم أن التوكّل يستلزم عدم التوسّل ، لأنّ التوكل اسقاط الأسباب عن حيّز الاعتداد بها والاعتماد عليها لا اسقاطها عن حيّز الإمداد على الوجه المعتاد . وقد أشار رسول اللّه « 4 » صلى اللّه عليه وسلم إلى أن التوكل ليس هو التعطل ، بل لا بدّ من التوسل بنوع من السبب حيث قال « لو توكلتم على اللّه حق التوكل لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » « 5 » ، فقد ذكر الغدو والرّواح بأن الطير ترزق بالسعي والطلب ، ودلّ على أن الرزق من اللّه ويكفيه تسبّبا
--> ( 1 ) ساقطة في نور عثمانية 3753 وأسعد أفندي وعاطف أفندي . ( 2 ) هو الفضيل بن عياض بن مسعود ( ت 178 ه / 803 م ) من أكابر العبّاد الصلحاء ، كان ثقة في الحديث ، ولد بسمرقند وانتقل إلى الكوفة ثم انتقل إلى مكة حيث توفي بها ، الحلية 8 / 84 - 139 ؛ التوابين 198 - 199 ؛ صفة الصفوة 2 / 237 - 247 ؛ وفيات الأعيان 4 / 47 - 50 . ( 3 ) هو كعب بن نافع المعروف بكعب الأحبار ( ت 32 ه / 652 م ) كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود واسلم زمن أبي بكر ، وأخذ عنه كثير من اخبار الأمم الغابرة ، وتوفي في حمص . انظر المعارف ، ص 430 ؛ الحلية 5 / 361 - 390 . ( 4 ) وردت في نور عثمانية 3753 وأسعد أفندي وعاطف أفندي : النبي . ( 5 ) مسند ابن حنبل 1 / 30 ، 52 ؛ سنن ابن ماجة ( كتاب الزهد ) ص 1394 .