حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

225

التمييز

تفنى بفنائها وترحل عن فنائها ، ومن كانت نفسه مهذّبة بالمعارف مكملة بالعوارف متّسمة بالأخلاق الحميدة متّصفة بالسّجايا الكريمة والطّباع السليمة فحقيق أن لا يكون لها قيمة وما سواها مهين مبتذل . ولعمري إنّ النّفوس الخيّرة الزكيّة الأبيّة الكاملة لو كانت تشترى بعوض لكانت أغلى ما في أيدي النّاس من الجواهر والذهب ولكنّها فيض من رفيع الدرجات ، ذو العرش يلقي الرّوح من أمره على من يشاء من عباده . ويقال : الشرف في التواضع والعزّ في التقوى والحريّة في القناعة ، وأنّ الأمور الخطرة لا يدرى صلاحها من فسادها ، فإنّ الأمور مبهمة ، فكم شرّ في صورة خير وضرّ في هيئة نفع ، فإذا أردت الأمور قطعا وأخذت باختيارك فما أسرع ما توقعك في ندامة ، وإنّ من كان في يده شيء فليس له وليس بباق معه ، وإنّ الدّنيا تعظ من بقي بمن مضى وهذا الجسد ذو آفات تقيمه الحياة وهي إلى نفاد . ومن الحكم المتداولة ، ربّما اقترن / 101 أ / خفض العيش بخفض المنزلة ، وكانت المعاطب في المناصب . وقال بشر بن الحارث « 1 » : ما أمر اللّه بشيء إلّا وأعان عليه ولا نهى عن شيء إلّا وأغنى عنه ، من طلب المكارم اجتنب المحارم ، ومن طلب عزّا بباطل أورثه اللّه ذلّا بحق ، ومن بلغ غاية ما يحب فليتوقّع غاية ما يكره ، وكفاك من كلّ يوم خبر يورده عليك ويعلّمك ما فيه من عبرة وتأديب ، فمن فهم عن الأيّام أورت زناده ، وسطع نور علمه ولم يفتقر إلى غير نفسه وعلى حسب إحاطة عقله وإعانة فهمه له يكون إشرافه على الأمور ، فأمّا ذو الغفلة فلو صحب الدّنيا بعجائبها فيما تصرّفت به على القرون لكان جذعا « 2 » في الغرّة « 3 » متدلّها « 4 » فيما يحدث لغفلته في زمانه وقلّة تحفّظه لما تفيده الأيّام من تجاربه لانّ الغفلة ظلمة راكدة ، والمعرفة مصباح مضيء للخليقة ولولا غيبة المخلوق وما يعزب من عقولهم من عجيب فطرهم لكان فيما يقف

--> ( 1 ) بشر الحافي سبقت ترجمته . ( 2 ) الجذع : الصغير السن . لسان العرب ( مادة : جذع ) . ( 3 ) الغرة : الغفلة ، قلة الفطنة ، اللسان ( مادة : غرر ) . ( 4 ) متدلها : ساهي القلب ذاهب العقل ، اللسان ( مادة : دله ) .