حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
185
التمييز
كلّ العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور » ، وفي حديث آخر « إذا أراد اللّه أن يهلك عبده كان أوّل ما يفسد رأيه » « 1 » ، وقال أبو حازم « 2 » : ان عوفينا من شرّ ما أعطينا لا يضرنا فقد ما زوى عنّا . وجاء في الحديث : « الفقر شين عند النّاس وزين عند اللّه » « 3 » . / 77 ب / وأمّا كاد الفقر أن يكون كفرا أي عند الأغنياء لأنهم يأنفون منه ، وعند الفقراء إذا اضطرّوا إلى سؤال من لا يكون أهلا ، وأنّ الفقر إذا تمّ وتمكّن العبد في مقام المحبّة حصل له حال لا يعرفه حكم الظّاهر ، وإذا كان الخطر على الفقر الكفر وهو الافتقار لغير اللّه مع ايمانه بأنّه لا فاعل إلّا اللّه دلّ على أنّ الفقر أفخر الأحوال لأن الشيء وضده على حسب فضيلته وقدره ، فكلّ ما كان في نفسه أفضل فضدّه وآفته أنقص . ولمّا كان الإيمان أكمل الأوصاف وأعلاها كان ضدّه أنقص الأوصاف وأدناها ، وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه « 4 » : إنّ في الجنّة درجة لا ينالها إلّا أصحاب الهموم في أمر المعيشة وطلبها . وقال بعض العلماء : يخاف على من لم يحزن أن لا يكون من أهل الجنّة لانّ أهل الجنّة قالوا : الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن ، وينبغي لمن لا يشفق أن لا يكون من أهل الجنّة لأنهم قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ « 5 » . وجاء في الحديث « تكون أمتي في الدّنيا على ثلاثة أطباق ؛ أمّا الطبق الأوّل فلا يرغبون في جمع المال وادّخاره ولا يسعون في طلبه واحتكاره ، وإنّما رضاهم من الدّنيا ما سدّ جوعة وستر عورة وغناهم فيها ما بلّغ الآخرة فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وأمّا الطبق الثاني فيحبّون جمع المال من سبيله وصرفه في أحسن وجوهه يصلون به أرحامهم ويبرّون به اخوانهم / 78 أ / ويواسون به فقراءهم ، ولعضّ أحدهم على الرضف « 6 » أهون عليه من أن يكسب درهما من غير حلّه وأن يضعه في
--> ( 1 ) الفتح الكبير 2 / 72 . ( 2 ) يورد ابن حجر مجموعة من الأسماء التي تكنى بأبي حازم ونعتقد انه أبو حازم الأنصاري البياضي ، صحابي وروي عنه بعض الأحاديث انظر تهذيب التهذيب 12 / 64 - 66 . ( 3 ) الفتح الكبير 2 / 281 . ( 4 ) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ( ت 59 ه / 679 م ) صحابي ، وكان أكثر الصّحابة حفظا للحديث ورواية له اسلم سنة 7 ه / 628 م ولي إمرة المدينة ، واستعمل على البحرين . كانت وفاته بالمدينة . انظر : صفة الصفوة 1 / 685 - 694 ؛ المعارف ، 277 - 278 . ( 5 ) سورة الطور : آية ( 26 ) . ( 6 ) الرضف : حجارة صغار يحمي عليها ويسخن بها الحليب . ( جاء ذلك على الهامش ) .