حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
178
التمييز
باب في مدح الفقر الفقر « 1 » شعار الصالحين ، ومن عرف الحقّ استغنى به عن الخلق ، ألا ترى قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « 2 » ، فجعل الفقر سببا يؤدّي إلى الوصول إليه ، والدّوام بين يديه فتبيّن أنّ الحاجة باب إلى اللّه ، وسبب يوصلك إلى شرف مناجاته ومنح هباته . وجاء في الحديث « من مات ولم يترك درهما ولا دينارا لم يدخل / 73 أ / الجنة أحد أغنى منه » ، وفي حديث آخر « خير هذه الأمّة ، فقراؤها وأسرعها تضجعا في الجنة ضعفاؤها » « 3 » ، وفي خبر آخر « لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذر ما به بأس » « 4 » ، وفي خبر آخر « من لم يرض بالقوت شغل قلبه وأتعب بدنه وحبس في آخرته عند الميزان » . ويقال : الفقير مخفّ والغني مثقل ، الفقير أقل عدوّا وحاسدا وأكثر أمنا ، لانّ الفقير خفيف الظّهر من كلّ حق ، منفك الرقبة من كل ربق « 5 » ، لا يستعطيه اخوانه ولا يطمع فيه جيرانه ، فهذا إمّا غانم وإمّا سالم ، والغنيّ غنيمة كل يد سالبة ومصيدة ، كلّ نفس طالبة وفريسة كل فئة غالبة ، طبق موضوع على شارع النوائب ، وعلم منصوب على مدرجة « 6 » المناصب ، يطمع فيه كل طامع ،
--> ( 1 ) وردت في احمدية : والفقر . ( 2 ) سورة فاطر : آية ( 15 ) . ( 3 ) احياء علوم الدين 4 / 194 . ( 4 ) البخاري ، كتاب الايمان ، 1 ؛ المستدرك ( كتاب الرقاق ) 4 / 319 . ( 5 ) ربق : حبل ، حلقة تشد بها الغنم الصغار . لسان العرب ( مادة : ربق ) . ( 6 ) المدرجة : المذهب والمسلك .