حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
179
التمييز
ويطرقه الحدثان والمصارع ، ويتحيق « 1 » ماله النقصان ، ويحسده كل انسان . والعاقل يعلم أنّه عند الغني أكثر حاجة منه حال فقره لأنّه في حال فقره لا يتنمى إلّا سلامة نفسه ، وأمّا في حال الغنى فإنه يتمنّى سلامة نفسه وماله ومماليكه ، يعني كما قيل بالفارسية : آنان كه غنىتراند محتاجتراند . والغنى فرع طارئ على الفقر ، والفقر رداء الشرف ، وهو محمود مع القناعة وعدم الاستشراف بلا خاف ، والاستشراف / 73 ب / هو تطلّع النّفس وطمعها بالشيء وطموحها إليه . وجاء في الحديث « ما من يوم وليلة وساعة إلّا لله فيها صدقة يتصدق بها على من يشاء من عباده الفقراء » . وقال سفيان الثوري : الصّبر على الفقر جهاد في سبيل اللّه ، يعني مع النفس . وجاء في الحديث « ان للمساكين دولة إذا كان يوم القيامة قيل لهم أنظروا من أطعمكم في اللّه لقمة أو كساكم ثوبا أو أسقاكم شربة فأدخلوه الجنة » . قال الحسن البصري : المسكين من كان ساكنا عن الحرص في الدّنيا متّصفا بالتعفّف قانعا بحاله ، ليس المراد أصل المسكنة وقد توجد مع الغنى ، قال اللّه تعالى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ « 2 » ، فسمّاهم مساكين ولهم سفينة يعملون فيها ، وجاء في الحديث « إن اللّه إذا أحب عبدا حماه الدّنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء » ، وفي خبر آخر « ما من أحد يقوم يوم القيامة غني أو فقير إلّا ودّ أنّ رزقه كان في الدّنيا قوتا » « 3 » ، كل القوت وعلّل النفس بأنها تموت ، وقد كانت الفاقة أحبّ إلى الأنبياء عليهم السلام من الغنى لما كشف اللّه عن بصائر قلوبهم ، فعرفوا ما يورث في العقبي المواهب الجليلة ويكون سببا لرضاء من له الأمر ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يقول في / 74 أ / دعائه « اللهم اجعل رزق آل محمّد قوتا » « 4 » ومرّة يقول « كفافا » . وإنّ أكثر الأخيار مبتلون في هذه الدّار بالفقر والضائقة ، لم تزل هذه الحالة
--> ( 1 ) يتحيق : ينزل به ، اللسان العرب ( مادة : حبق ) . ( 2 ) سورة الكهف : آية ( 79 ) . ( 3 ) رواه ابن حنبل في مسنده 3 / 176 ، 117 ؛ سنن ابن ماجة ( كتاب الزهد ) 2 / 1387 ؛ احياء علوم الدين 4 / 199 . ( 4 ) صحيح مسلم ( كتاب الزهد والرقاق ) ، ص 2281 ؛ مسند ابن حنبل 2 / 232 ، 446 ، 481 ؛ سنن ابن ماجة ( كتاب الزهد ) ، ص 1387 .