حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

160

التمييز

وكان الحسن رضي اللّه عنه يقول : إنّ للّه كنزا مخفيّا مفاتحه لسان الشعراء ، ما ثبت لعبد مدح في الأرض إلّا وقد ثبت له في السماء ، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الاكثار عيّا ، وإذا كان الإكثار واجبا كان التقصير عجزا والتصرّف في ذلك بحسب مناسبة المقامات إنّما هي دأب البلغاء ، وإذا كان المعنى شريفا ، واللفظ لطيفا ، والكلام بليغا ، والطبيعة سليمة ، صنع في القلوب صنع الغيث في التربة الكريمة ، وأحسن الكلام ما غشّاه اللّه بنور الحكمة ، وذلك لا يكون إلّا بحسن نيّة صاحبه وتقوي قائله ، فإذا كان كذلك أصحبه اللّه من التوفيق ما يعظّمه في قلوب الجبابرة ولا يذهب به عن فهم عقول العامّة ، ثم جعل اللّه من بني آدم من ارتقت درجته في ذلك ، وتلاعب بأطراف الكلام المشنّف في تلك المسالك ، ولم يمكّن من أعنّة البلاغة كل قاصر ، وحباها في كل عصر بأكرم وليّ وأعز ناصر ، وفضّل أهلها على من سواهم بما جبلهم عليه وسوّاهم ، وبما خصّهم به من الشيم ، ورفع بعضهم / 64 ب / على بعض فتفاوتوا في الأقدار والقيم ، وبالبلاغة سحبت أذيال المفاخر ، ووقعت المنافسة بين الأوائل والأواخر ، وغاصت الخواطر على نفائس الجواهر في بحرها الزاخر . والشعر ضرب من الصياغة ، ونوع من التصوير إذا رقّت أصوله وراقت فصوله وطاب مقطوعه وموصوله ، علا وصوله وحسن محصوله ، وقال بعضهم : شعر « 1 » ( الطويل ) أرى الشعر يحيي المجد والنّاس بالذي يبقيه أنفاح « 2 » لها عطرات وما المجد « 3 » لولا الشعر إلّا معاهد وما النّاس الا أعظم نخرات والايجاز معدود من الاعجاز ، والبلاغة من بلغة الغاية إذا انتهت إليها وبلغتها فسمّيت بلاغة لبلوغها النهاية ، أو لإبلاغها المعنى لفهم السامع ،

--> ( 1 ) البيتان لابن الرومي ، في الذخائر 166 ؛ التمثيل والمحاضرة 189 . ( 2 ) في نور عثمانية 3753 وأسعد أفندي ونور عثمانية 3756 وبشير بوبو : أنفاس . ( 3 ) المجد : نيل الشرف والكرم ، والمجيد : الرفيع العالي . القاموس المحيط ( مادة : مجد ) .