حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

133

التمييز

يتمخّض فيه الفكرة ليلة كان مولودا بغير تمام ، أجود الرأي ما أجادت الفكرة نقده وأحكمت الرؤية عقده . وكان يقال : الرأي سيف العقل ، ولمّا كان أمضى السيوف ما يولع في ارهاف جسده وجيد صقله ، كان أنجح الآراء ما كثر امتحانه ، وأضعف الرأي ما سنح على البديهة . المشاورة حصن من النّدامة وأمن من الملامة ، ومن شاور الاخلاء أمن من مكر الأعداء ، ومن اجتهد برأيه واستخار ربّه واستشار صديقه فقد قضى ما عليه ويقضي اللّه في أمره ما يحب ، ومن لم يتأمل الامر بعين تعقله لم يقع سيف حيله إلّا على مقاتلة . أعقل الرجال « 1 » لا يستغني عن مشاورة العقلاء . ويقال : أول الحزم المشاورة ، وأضعف الحيلة أنفع من أقوى الشدة ، رب حيلة أنفع من قبيلة ، وأقلّ التأني أحدّ من كثرة العجلة ، والدولة رسول القضاء المبرم ، وإذا استبد الإنسان برأيه عميت عليه المراشد . وقال خالد بن برمك « 2 » : في المشورة أربع خصال حميدة ؛ إحداهن أن اللّه أمر بها ، الثانية أن تشترى عقل غيرك ، الثالثة أنّ بالمشورة يفتح اللّه أبوابا مغلقة ، الرابعة أنك تزداد بالمستشار ألفة . قال أفلاطون : إذا استشارك عدوك فإنّه بالاستشارة خرج من عدواتك إلى موالاتك . ويقال : العقل يهاب ما لا يهاب السيف ، اشدّ البلاء معاداة العقلاء ، وقال الحسين رضي اللّه عنه : الرّجل من له رأي « 3 » ويشاور ، ونصف رجل من له رأي ولا يشاور أو يشاور ، / 50 أ / ولا رأي له ولا شيء من لا رأي له ولا يشاور . وقال بعض الحكماء : الرجال ثلاثة ؛ أولها ذو عقل ورأي لا يخطئ في أمره ، والثاني ليس في هذه المرتبة بل يجد ذا عقل ورأي يشاوره ويعمل بذلك فهو أيضا لا يخطئ ، والثالث ليس بذلك المرتبة ويعمل برأيه فهو حائر بائر عند جميع العقلاء . وقيل لحكيم : ما بال العاقل مشورته على نفسه

--> ( 1 ) جاءت في نور عثمانية 3753 : الناس . ( 2 ) هو خالد بن برمك بن جامس ، أبو البرامكة ، وأول من تمكن منهم في دولة بني العباس ، تولى ديوان الخراج وديوان الجند أيام السفاح ، ولي بلاد فارس زمن المنصور وابنه المهدي . وفيات الأعيان 6 / 219 - 229 ؛ البغدادي ، خزانة الأدب ، 3 / 232 . ( 3 ) في نور عثمانية 3753 : عقل .