حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
115
التمييز
يخف اللّه لم يعصه ، يعني النّفوس المتجوهرة تركت الأشياء الدنيّة « 1 » طبعا وحياء ، ليس يوجد الحياء إلّا فيمن كانت نفسه بصيرة بالجميل غير عميّة عنه ، لا تكن كأعمى في يده جوهر ، وهو لا يعرفه ولا يبصر حسنه ، وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوّة خلق الحياء ، وقلة الحياء من موت القلب والرّوح ، وكلّما كان القلب أحيا كان الحياء أتمّ . قال القرطبيّ « 2 » : الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان وهو المكلّف به دون الغريزي ، غير أنّ من كان فيه غريزة منه فإنّها تعينه على المكتسب حتى يكاد يكون غريزيّا . وجاء في الحديث « الحياء لا يأتي الا بخير » « 3 » رواه البخاري « 4 » . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال لأبي « 5 » : « يا أبي عليك بالحياء والأنفة فانّك إذا استحييت من الفضاحة اجتنبت الخساسة » . ويقال : شهادة الافعال أصدق من شهادة الرجال ، وما تمّ دين امرئ من هذه الأمة إلّا بحياء وما تمّ حياء إلّا بعقل ، وما تمّ عقل الا بأدب ، وإذا قوي الحياء قوي الكرم ، وإذا ضعف الحياء قوي اللؤم . [ وقال بعض الحكماء : أحبوا الحياء بمجالسة من يستحيي منه ] « 6 » وجاء في الحديث : « ان لكل دين خلق وخلق هذا الدين الحياء » « 7 » . وقال لقمان : الحياء حياة القلب . وكان الحسن رضي اللّه عنه يقول : الحياء والايمان مقرونان فإذا قوي الايمان اشتد الحياء ، وإذا رق الايمان قل الحياء ، وإذا كان في الصبي حياء طمع في رشده .
--> ( 1 ) جاءت في نور عثمانية 3755 : الدينية . ( 2 ) هو يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ت 463 ه - 1071 م ) من كبار حفاظ الحديث ، مؤرخ وأديب وبحاثة يقال له حافظ المغرب ، له رحلات طويلة إلى غرب الأندلس وشرقيها ، ولي قضاء لشبونة وشنترين ، وكانت وفاته في شاطبة ، له العديد من المصنفات . الضبي ، بغيه الملتمس ( مجريط 1884 ) ص 616 - 618 ؛ تذكره الحفاظ 3 / 1128 ؛ وفيات الأعيان 7 / 66 - 72 شذرات الذهب 3 / 314 - 316 . ( 3 ) رواه البخاري : في الأدب المفرد ؛ ص 444 . ( 4 ) البخاري أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 ه / 870 م ) حبر الاسلام ، صاحب الجامع الصحيح ، ولد في بخاري ، وقام برحلة طويلة في طلب الحديث ، وجمع نحو ستمائة الف حديث اختار منها صحيحه ، وأقام في بخارى ثم سمرقند وتوفي فيها ، انظر تذكرة الحفاظ 2 / 122 ؛ تهذيب 9 / 47 - 55 ؛ تاريخ بغداد 2 / 4 - 36 ؛ طبقات الحنابلة 1 / 571 - 279 . ( 5 ) هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي ، كان أحد أحبار اليهود ثم اسلم ، وكان من كتاب الوحي ، شهد بدرا واحدا والخندق والمشاهد كلها مع الرسول ( ص ) ؛ وكتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس ، وكان من بين الذين أمرهم عثمان بجمع القرآن ، وروي عنه بعض الأحاديث في الصحيحين . طبقات ابن سعد 3 / 20 ، 59 - 62 . ( 6 ) زيادة من بشير بوبو . ( 7 ) رواه ابن ماجة في سننه ، ص 1399 .