ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

716

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

وفيما حكاه اللّه ( تعالى ) عن موسى عليه السّلام حين خاطب الخضر عليه السّلام بقوله : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً « 1 » في قوله ( تعالى ) : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً « 2 » فهذه جملة جليلة من الآداب الواقعة من المتعلم للمعلمين ، وجلالة قدر موسى عليه السّلام وعظم شأنه وكونه من أولي العزم من الرسل ، ثم لم يمنعه ذلك من استعمال الآداب اللائقة بالعلم ، وإن كان التعلم أولى منه من جهات أخرى ولو أردنا استقصاء ما اشتمل عليه تخاطبهما من الآداب والدقائق لخرجنا عن وضع الرسالة ، لكنا نشير إلى ما يتعلق بالكلمة الأولى وهي قوله : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ، فقد دلت على اثني عشر فائدة من فوائد الآداب . الأول : جعل نفسه تبعا له لمقتضى انحطاط المنزلة في جانب المتبوع . الثاني : الاستئذان بهل أي : هل تأذن لي في اتباعك ؟ وهو مبالغة عظيمة في التواضع . الثالث : تحمل نفسه والاعتراف لمعلمه بالعلم لقوله عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ . الرابع : الاعتراف له بعظم النعمة بالتعليم لأنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله اللّه ( تعالى ) به ، أي يكون إنعامك عليّ كإنعام اللّه ( تعالى ) عليك ، ولهذا المعنى قيل : أنا عبد من تعلمت منه . وقال أيضا : من علّم إنسانا مسألة ملك رقه . الخامس : أن التابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لكونه فعله لا لوجه آخر ، ودل ذلك على أن المتعلم يجب علمه من أول الأمر التسليم وترك المنازعة . السادس : الإتيان بالمتابعة من غير تقييد بشيء بل اتباعا مطلقا لا يقيد عليه فيه بقيد وهو غاية التواضع . السابع : الابتداء بالاتباع ثم بالتعليم ثم بالخدمة ثم بطلب العلم . الثامن : أنه قال : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ أي لم أطلب على تلك المتابعة إلّا التعليم كأنه قال لا أطلب منك مالا ولا جاها . التاسع : قوله ( مما علمت ) أشار إلى بعض ما علم أي لا أطلب منك المساواة بل ببعض ما علمتنا فأنت أبدا مرتفع على زائد القدر . العاشر : قوله : ( ما علمت ) اعتراف بأن اللّه ( تعالى ) علّمه وفيه تعظيم للمعلّم

--> ( 1 ) - الكهف : 66 . ( 2 ) - الكهف : 69 .