ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
714
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ « 1 » والذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم المدون بأن مقصود هذا العلم حفظ الأموال لشروط المعاملة وحفظ الأبدان بالأموال ، ويدفع القتل والجراحات والمال في طريق اللّه ( تعالى ) آلة والبدن مركب ، وإنما العلم المهم هو معرفة سلوك الطريق إلى اللّه ( تعالى ) وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة ، فهي الحجاب بين العبد وبين اللّه ( تعالى ) ، فإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا على اللّه ( تعالى ) ومن ثم كان العلم موجب الخشية ، بل هي منحصرة في العالم كما نبه عليه اللّه ( تعالى ) بقوله : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ أعم من أن يكون فقيها أو غيره ، ومثال هذا الفقيه في الاقتصار على علم الفقه المتعارف مثال من اقتصر في سلوك طريق الحج على علم حرز الرواية والخف ، ولا شك أنه لو لم يكن لتعطل الحج ، ولكن المقتصر عليه ليس من الحج في شيء ، كذلك هذا الرجل لو لم يتعلم هذه العلوم لتعطلت معرفة الأحكام إلّا أنها ليست المنجية بنفسها كما حررناه ، بل هي مقدمة للمقصد الذاتي ، وإذا كان هذا مثال حال الفقيه العارف بشرع اللّه ( تعالى ) ورسوله وأئمته عليهم السّلام ومعالم دين اللّه ( تعالى ) فكيف حال من يصرف عمره في معرفة علم الكون والفساد الذي مآله محض الفساد والاشتغال بمعرفة الوجود ؟ وهل هو نفس الموجودات أو زايد عليها أو مشترك بينهما أو غير ذلك من المطالب التي لا ثمرة لها ؟ بل لم يحصل لهم حقيقة ما طلبوا معرفته فضلا عن غيره ، وإنما مثالهم في ذلك مثال ملك اتخذ عبيدا وأمرهم بدخول داره والاشتغال بخدمته وتكميل نفوسهم فيما يوجب الزلفى لدى حضرته واجتناب ما يبعد عن جهته ، فلما أدخلهم داره ليشتغلوا بما أمرهم به أخذوا ينظرون إلى جدران داره وأرضها وسقفها حتى صرفوا عمرهم في ذلك النظر وماتوا ولم يعرفوا ما أراد منهم سيدهم في تلك الدار ، فكيف ترى حالهم عند سيدهم المنعم عليهم المسدي جليل إحسانه إليهم مع هذا الإهمال العظيم لطاعته والانهماك الفضيح في معصيته . اعلم أن مثال هؤلاء أجمع مثال بيت مظلم باطنه وضع السراج على سطحه حتى استنار ظاهره ، بل مثال دير يحسن ظاهرها جص وباطنها نتن ، أو كقبور الموتى ظاهرها مزينة وباطنها جيفة ، أو كمثال رجل قصد ضيافة الملك إلى داره فجصص باب داره وترك المزابل في صدر داره ، وذلك غرور واضح جلي ، بل أقرب مثال إليه رجل زرع زرعا
--> ( 1 ) - التوبة : 122 .