ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

713

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

واشتغل بتكرره وتعليمه لا بل مثاله مثال من به علة البواسير والبرسام ، وهو مشرف على الهلاك محتاج إلى تعلم الدواء واستعماله فاشتغل بتعلم دواء الحيض والاستحاضة ، وتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحيض ، ولكنه ربما يقع علة الحيض والإستحاضة لامرأة فتسألني عنه ، وذلك غاية الغرور حيث ترك تعلم الدواء النافع لعلته مع استعماله ، واشتغل بما ذكرناه كذلك المتفقه المسكين قد تسلط عليه اتباع الشهوات والإخلاد إلى الأرض والحسد والرياء والغضب والبغضاء والعجب بالأعمال التي يظنها من الصالحات لو فتش عين باطنها وجدها من المعاصي الواضحات ، فليلتفت إلى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أدنى الرياء الشرك » ، وإلى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر » ، وإلى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » وإلى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « حب المال والشرف ينبتان النفاق كما ينبت الماء البقل » وإلى غير ذلك من الأخبار المروية في أبواب هذه المهلكات ، وكذا يترك استعمال الدواء لسائر الهلكات الباطنة ، وربما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي فيلقي اللّه وهو غضبان فيترك ذلك كله . واشتغل بعلم النحو وتصريف الكلمات والمنطق وبحث الدلالات وفقه الحيض والاستحاضة والسلم والإجارات واللعان والجراحات والدعاوى والبينات والقصاص والديات ، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك في مدة عمره إلّا نادرا ، وإن احتاج إليه غيره فهو من فروض الكفايات ، وغفل مع ذلك عن العلوم التي هي فرض عيني بإجماع المسلمين ، فلغاية تلك العلوم ، إذا قصد به وجه اللّه ( تعالى ) العظيم وثوابه الجسيم أنها فرض كفاية ومرتبة فرض الكفاية بعد تحصيل الفرض العيني ، فلو كان غرض هذا الفقيه العمل بعلمه وجه اللّه ( تعالى ) لاشتغل في ترتيب العلوم بالأهم فالأهم ، والأنفع فالأنفع ، فهو إما غافل مغرور وإما مريب في دينه مخدوع ، طلب الرياسة والاستعلاء والجاه والمال ، فيجب عليه التنبيه لدواء إحدى العلتين قبل أن تقوى عليه وتهلكه وليعلم مع ذلك أيضا أن مجرد تعلم هذه المسائل المدونة المروية ليس هو الفقه عند اللّه ( تعالى ) . وإنما الفقه عند اللّه ( تعالى ) بإدراك جلاله وعظمته وهو العلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى ، ومعرفة الصفات المخوفة فيجتنبها والمحمودة فيرتكبها ، ويستشعر الخوف ويستبشر الحزن كما نبّه اللّه عليه في كتابه : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ