ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
683
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
أصحاب علي عليه السّلام ، ثم أنه قدم إلى الشام وافدا على معاوية ، فلما قدم عليه فرح به معاوية وقال له : جئت يا محقن من عند من ؟ وكان ذلك بمحضر جماعة عظيمة من أهل الشام ، فقال محقن : نعم يا معاوية ، جئتك من عند أبخل الناس وأجبن الناس والأم الناس وأعيى الناس . فقال معاوية لجلسائه : اسمعوا ما يقول أخوكم العراقي ، فلم يدر محقن أي الناس يكرمه ويتحفه ، فلما تفرق الناس عنه قال معاوية : يا محقن أعد ما قلت . فقال محقن : جئتك من عند أبخل الناس وأجبن الناس وألأم الناس وأعيى الناس . فقال معاوية : واللّه لقد كذبت يا محقن وأنّى يكون ابن أبي طالب أبخل الناس ؟ وهو الذي لو ملك بيتا من تبن وبيتا من تبر لأنفق تبره قبل تبنه وأنى يكون أجبن الناس ؟ وهو الذي ما التقت فئتان قط إلّا كان أشجعها . وأنّى يكون ألأم الناس ؟ وأبوه أبو طالب شيخ قريش وسيد البطحاء وأمه فاطمة بنت أسد وأخوه جعفر وعمّه حمزة وابن عمه رسول اللّه وزجته فاطمة بنت رسول اللّه وأولاده الحسن والحسين ، واللّه ما جمع أحد من النسب ما جمعه . وأنى يكون أعيى الناس ؟ فو اللّه ما سن الفصاحة لقريش غيره . فقال : فإذا علمت ذلك منه فكيف تقاتله ؟ فقال : أقاتله على خاتمي هذا حتى يجوز به أمري . فقال محقن : فحسبك ذلك إذا ومصيرك إلى النار . فقال : لا يا بن أبي محقن ، أين أنت عن قوله ( تعالى ) : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ « 1 » وأقول : هذا من معاوية عين الحماقة ، فإن الآية مصرحة بأن الرحمة إنما هي قريبة إلى أهل الإحسان وأين إحسانه وهو يحارب من حربه حرب الرسول ، الذي حربه حرب اللّه بنص الرسول في قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « حربك يا علي حربي وسلمك سلمي » وهو حرب اللّه وحرب رسوله لا يفلح أبدا ، وكيف وهو يقول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من سب عليّا فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ اللّه ، ومن سبّ اللّه أكبه اللّه على منخريه في النار » فكيف حال من فعل السب مع ما أعظم منه وهو المحاربة المفضية إلى قتل النفوس المعصومة ؟ بل أفضى إلى قتل جماعة من فضلاء الصحابة كعمار بن ياسر الذي قال فيه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « عمار جلدة بين عيني تقاتله الفئة الباغية » ، وكهاشم بن عتبة المرقال وأضرابهما من الأفاضل ؟ ولو لم يكن له إلّا قتله حجر بن عدي وأصحابه لكفاه ذلك الإثم ، ولكنه يطمع طمعا كاذبا ويأمل أملا مرديا تمويها على السامعين واستجلابا لذوي الغفلة والمبتهلين . واعلم أن الغرض من تحرير ما ذكرنا وتقرير ما تلوناه من هذه المدائح التي صدرت
--> ( 1 ) - الأعراف : 56 .