ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
638
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
بحبّك لي إلّا غفرت لي ذنوبي . فقلت لها : لا تقولي بحبّك لي ولكن قولي بحبّي لك . فقالت : يا مولاي بحبّه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام ، بحبّه لي أيقظ عيني وكثير من خلقه نيام . قال الخواص : دخلنا على رجلة العابدة وكانت قد صامت حتّى اسودّت وبكت حتّى عميت وصلّت حتّى أقعدت ، وكانت تصلّي قاعدة فسلّمنا عليها ثم ذاكرناها أشياء من العفو لتهولنّ عليها الأمر ، قال : فشهقت ثم قالت : علمي بنفسي فرح فؤادي وكلم كبدي ، واللّه لوددت أنّ اللّه لم يخلقني ولم أك شيئا مذكورا ، ثمّ أقبلت على صلاتها . أقول : وإن أردت أيّها الأخ الإطّلاع التامّ على أحوال السلف وبقيّة الخلف فعليك بمطالعة كتاب المدهش في الوعظ تأليف أبو الفرج ابن الجوزي ، فإنّه ذكر فيه أخبارا تهيج الطباع وتطرب الأسماع ، ولنورد جملة منها : قال إبراهيم بن محمد الكوفي : سمعت محمد بن سماك الواعظ يقول : كنت كثيرا ما أطلب الزهّاد والعبّاد ، فقرعت الباب فخرجت إليّ جارية خماسيّة القد فقالت : ما شأنك أيّها الطارق ؟ قلت : أريد منزل فلان . قالت : عليه وقعت ، وما حاجتك ؟ قال : قلت : أحبّ أن تستأذنيه لي في الدخول عليه ، قال : فدخلت وإذا أنا برجل قد احتفر قبرا في داره ووضع فيه رجليه وبيده خوص يصنعه وهو يتلو : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ « 1 » قال : فسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام وقال لي : ما اسمك ؟ قلت : محمد . قال : ابن من ؟ قلت : ابن السماك . قال : لعلّك الواعظ ؟ قلت : أجل . قال : إنّ الواعظ عندي بمنزلة الطبيب ، ولي داء قد أعيا المعالجين قبلك ، فعسى أن تأتي له برفقك وتلصق عليه بعض من أهمّك ممّا تعلم أنّه يلائمه منها . فقلت له : أما تعلم لا دار بعد هذه الدار إلّا الجنّة أو النار ؟ قال : فتغيّر وجهه ، فقلت : يا أخي ، إنّ العمر قد ولى والضعف قد تولّى ، وإن كاتبيك قد حفظا عليك ما سلف لك من قبيح العمل ، ولعلّ المنية تعاجلك قبل إدراك الأمل . فلمّا سمع لم يتمالك أن شهق شهقة وخرّ مغشيا عليه قال : فأقبلت امرأته وابنته يبكيان من خلف الستر ، فبقى كذلك طويلا ثم أفاق وقال : يا بن السماك وافق دواؤك دائي ولصق مرهمك بجلدي زدني ، فإن المرهم إذا خلف المرهم اندمل الجرح والتأم . فقلت : يا أخي ، ونحن على يقين من ذنوب سلفت وفي شكّ من قبول توبة حدثت ، فإن جاد
--> ( 1 ) - الجاثية : 20 .