ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
633
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
عند مشاهدة يوسف عليه السّلام ، والثاني أن يحسّ بالألم ويكون راضيا به بل راغبا فيه بعقله وإن كان كارها بطبعه كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة ، فإنّه يدرك ألمه إلّا أنّه راض به ومتقلّد من الفصاد منه لفعله ، ويجوز أن يغلب الحبّ بحيث يكون حظّ المحبّ في مراد حبيبه ورضاه لا لمعنى آخر وراءه . ويروى أنّ يونس عليه السّلام قال لجبرئيل عليه السّلام : دلّني على أحبّ أهل الأرض ، فدلّه على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه وذهب بصره وسمعه وهو يقول : إلهي متّعتني بهما ما شئت أنت ، وسلبتني ما شئت أنت وأبقيت لي فيك الأمل يا برّ يا وصول . وقد قال بعض السلف : من حسن الرضا بقضاء اللّه ( تعالى ) أن لا يقول : هذا يوم حار أي في معرض الشكاية وذلك في الصيف ، وأمّا في الشتاء فهو شكر ، وذمّ الأطعمة وعيبها مناقض للرضا لأنّ مذمّة الصنعة مذمّة للصانع ، وقول القائل : الفقر بلاء ومحنة ، والعيال همّ وتعب ، وأمثال ذلك قادح في الرضا ، بل ينبغي أن يسلّم التدبير لمدبره . في حديث أنّ للّه ( تعالى ) ثلاثمائة خلق ، من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنّة ، وأحبّها إلى اللّه السخاء ، قال الجنيد : حرّم اللّه ( تعالى ) المحبّة على صاحب العلاقة . وقال ابن الحلاج : أوحى اللّه ( تعالى ) إلى عيسى عليه السّلام أنّي إذا اطّلعت على سرّ عبد فلم أجد فيه حبّ الدنيا والآخرة ملأته من حبّي وتولّيته بحفظي . وقال إبراهيم بن أدهم : إلهي إنّك تعلم أنّ الجنّة لا تزن عندي جناح بعوضة في جنب ما أكرمتني به من محبّتك وآنستني بذكرك وفرغتني للتفكّر في عظمتك ، وكان الخواص يضرب على صدره ويقول : وا شوقاه ، إلهي من يراني ولا أراه . وقال الجنيد : بكى يونس عليه السّلام حتّى عمي وقام حتّى انحنى وصلّى حتّى أقعد ، وقال : وعزّتك وجلالك لو كان بيني وبينك بحر من نار لخضته شوقا منّي إليك . واعلم أنّ الشيطان ( لعنه اللّه ) ملازم للمتشمرين لعبادة اللّه ( تعالى ) لا يغفل عنهم لحظة حتّى يحملهم على الرياء في كلّ حركة من الحركات ، حتّى في كحل العين وقصّ الشارب وطيب يوم الجمعة ولبس الثياب ، فإنّ هذه سنن في أوقات مخصوصة ، وللنفس فيها حظّ خفيّ لارتباط نظر الخلق بها ، ولاستئناس الطبع بها ، فيدعوه الشيطان إلى فعل ذلك ويقول : هذه سنّة لا ينبغي أن تتركها ، ويكون انبعاث القلب باطنا لأجل تلك