ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

634

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

الشهوات الخفيّة أو مشوبة بها شوبا يخرج عن حدّ الإخلاص بسببها ، وما لا يسلم عن هذه الآفات كلّها فليس بخالص ، بل من يعتكف في مسجد معمور نظيف العمارة يأنس الطبع به فالشيطان يرغب فيه ويكثر عليه من فضائل الإعتكاف ، وقد يكون المحرّك الخفي في سرّه هو الأنس بحسن صورة المسجد واستراحة الطبع إليه ، ويتبيّن ذلك في ميله إلى أحد المسجدين إذا كان أحسن من الآخر ، وكلّ ذلك امتزاج بشوائب الطبع وكدورات النفس ومبطل لحقيقة الإخلاص . والغشّ الذي يمزج بخالص الذهب له درجات متفاوتة ، فمنها ما يغلب ، ومنها ما يقلّ ولكن سهل دركه ، ومنها ما يدقّ بحيث لا يدركه إلّا الناقد البصير ، وغشّ القلب ودغل الشيطان وخبث النفس أغمض من ذلك وأدقّ كثيرا ، ولهذا قيل : ركعتان من عالم أفضل عند اللّه من عبادة سنة من جاهل ، وأريد به العالم البصير بدقائق آفات الأعمال . وأمّا حكم هذا المشوب بالنظر إلى ثوابه وعدمه وعقابه وعدمه فقد قال الغزالي في الإحياء : إنّ ظاهر الأخبار يدلّ على أنّه لا ثواب له ، وليس تخلو الأخبار من تعارض فيه ، والذي ينقدح لنا فيه - والعلم عند اللّه - أن ينظر إلى قدر قوّة البواعث ، فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه ، وإن كان باعث الرياء أقوى فهو ليس بنافع بل مضرّ ومفض للعقاب ، وإن كان قصد التقرّب أغلب فله ثواب بقدر ما فضل من قوّة الباعث الديني ، لكن الإنسان فيه على خطر عظيم لأنه ربّما يظنّ أنّ الباعث الديني أقوى ، ويكون الأغلب على سرّ الحظّ النفسي وذلك ممّا لا يخفى غاية الخفاء ، فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الإجتهاد متردّدا بين الردّ والقبول خائفا من أن يكون في عبادته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها ، ولذلك قال عبد العزيز بن أبي رواد : جاورت هذا البيت ستّين سنة وحججت ستّين حجّة فما دخلت في شيء من أعمال اللّه إلّا وحاسبت نفسي فوجدت نصيب الشيطان أوفر من نصيب اللّه ( تعالى ) ليته لا لي ولا علي ، ومع هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة والرياء ، فإنّ ذلك منتهى بغية الشيطان . وكان كرز بن وبرة يختم القرآن في كلّ يوم ثلاث مرّات ، ويجاهد نفسه في العبادات غاية المجاهدة ، فقيل له : قد أجهدت نفسك ، فقال : كم عمر الدنيا ؟ فقيل : سبعة آلاف سنة ، قال : فكم مقدار يوم القيامة ؟ فقيل : خمسون ألف سنة . فقال : فكيف يعجز أحدكم أن يعمل سبع يوم حتّى يأمن ذلك اليوم ؟ يعني أنّك لو عشت عمر الدنيا