ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
602
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
ألا إنّما الدنيا الدنية جيفة * تحوم كلاب حولها وذئاب فإن كنت كلبا ربّما نلت لقمة * وإن لم تكنه عقرتك كلاب ومن أقبح أوصاف الدنيا أنّها باب جميع الخبائث وحجاب عن حضرة الوارث . روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « من هوان الدنيا أنّه لا يعصى إلّا فيها ولا ينال ما عنده إلّا بتركها » . وقال بشر بن الحارث : ينبغي لنا أن لا نحبّ هذه الدار لأنّها دار يعصى اللّه فيها ، وو اللّه لو لم يكن منّا إلّا أنّا أحببنا شيئا أبغضه اللّه ( عزّ وجلّ ) لكفانا . وقال ابن المقنع : دليلك أنّ الفقر خير من الغنى * وأنّ القليل المال خير من الثري لقاؤك مخلوقا عصى اللّه بالغنى * ولم تر مخلوقا عصى اللّه بالفقر قوله عصى اللّه بالغنى « 1 » يعني بسبب تحصيل الفقر وإلّا فالفقر ربّما كان سببا للفسق كالسرقة وقطع الطريق وتعطيل الفرائض كالغنى والكفر - والعياذ باللّه منهما - أو كالفقر والفسق ، يدلّ على ذلك قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دعائه : « اللّهم إنّي أعوذ بك من غنى يطغيني وفقر ينسيني » . وقال سليمان بن داود عليهما السّلام : أوتينا ممّا أوتي الناس وممّا لم يؤتوا ، وعلّمنا ممّا علم الناس وممّا لم يعلموا ، فلم نجد شيئا أفضل من تقوى اللّه في السرّ والعلانية ، وكلمة العدل في الغضب والرضا ، والقصد في الغنى والفقر ، وإذا ثبت للدنيا الاتصاف بجميع هذه الأوصاف السيئة التي تجنب العاقل من اتصف بواحد منها كان هجرها عليه أوجب ونبذها منها وراء الظهر أصوب . ثالثها : أنّ اللّه ( تعالى ) يقول : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ « 2 » ومراد اللّه ( تعالى ) خير من مرادنا ، بل ما لم يرده اللّه لا خير فيه أصلا ، وعلى العاقل أن يكون مراده تبعا لمراد مولاه . رابعها : أنّ أعظم أسباب حبّ الدنيا خوف الفقر ، واللّه ( تعالى ) يقول : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ « 3 » وعلى العاقل أن يكذب الشيطان ويخزيه . قال سفيان الثوري : ليس للشيطان سلاح مثل خوف الفقر ، فإذا قبل ذلك منه أحد
--> ( 1 ) - ظ : بالفقر . ( 2 ) - الأنفال : 67 . ( 3 ) - البقرة : 268 .