ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
588
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
فائدة : اعلم أنّ النظر بمعنى الفكر ، وموضع النظر ينبغي أن يكون في ملكوت السماوات والأرض ، فإنّه إذا تفكّر الناظر في العالم بما فيه من أفلاكه المتحرّكة وأنجمه السائرة وسمائه المرفوعة وأرضه الموضوعة المبسوطة المتماسكة على الهواء مع ثقلها وعظمها وما فيها من الجبال الراسية والبحار الزاخرة والأنهار الجارية والثمار النامية وكلّ ذلك يفتقر إلى صانع بالضرورة ، وعلى موضع هذه الدلالة نبأنا اللّه ( تعالى ) لقوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ « 1 » تضمّنت هذه الآية عشر آيات : وكلّ آية فيها جملة من الدلالات كلّ واحدة منها لو انفردت لكفى ، فدلالة السماوات والأرض على اللّه ( تعالى ) من وجوه ثلاثة : خلقه إيّاهما وإحداثه إيّاهما أوّلا ، الثاني : إمساكه لهما من غير علاقة ولا عماد ، الثالث : إيقاعهما على الوجه الذي تقتضيه مصلحة العباد من فتق ما بينهما ورفع السماء ودحو الأرض لتحصل المنفعة بالشمس والقمر والنجوم ، والمنفعة بهما ظاهرة إلى غير ذلك من الوجوه . ودلالة اختلاف الليل والنهار عليه ( سبحانه ) من ثلاثة وجوه ، الأوّل : إحداثهما على ما هما عليه من الاختلاف والتعاقب والزيادة والنقصان . الثاني : وقوع ذلك بحسب مقادير مقدرة لا تختلف على مرور الزمان . الثالث : حصول ذلك بحسب مصالح العباد في اليقظة والمنام التي لا تحصل لو دام أحدهما سرمدا دون الآخر من ابتغاء الفضل وإصلاح أمر المعيشة بالسعي في النهار والسكون والراحة في الليل إلى غير ذلك ، ذلك تقدير العزيز العليم الذي لا يقدر عليه سواه . وأمّا الفلك فهي السفن وإن كانت إنّما صارت سفنا مركبة بتركيب العباد وأفعالهم ، فدلالتها على اللّه ( سبحانه ) ظاهرة من وجوه ثلاثة ، الأوّل : خلقه أمور التي لا تتمّ إلّا بها كالخشب والحديد وغير ذلك ، وهدايته الخلق إلى تركيبها على الوجه الذي يصحّ معه الانتفاع بها . الثاني : خلقه الماء على ما هو عليه من الرقّة والأحوال التي تجري معها السفن وقوّة حمله على ظهره . الثالث : إرسال الرياح التي تجري بها السفن ، ولولا مجموع هذه الأمور لما انتفع العباد بها ، إلى غير ذلك ، ولا يقدر على هذه الأمور إلّا اللّه ( تعالى ) .
--> ( 1 ) - البقرة : 164 .