ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

581

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

أن يستحيي من أن يترك نفسه ويذمّ غيره ، بل ينبغي أن يعلم أن عجز غيره عن نفسه في التنزّه عن ذلك العيب كعجزه إن كان ذلك عيبا يتعلّق بفعله واختياره ، فإن كان أمرا خلقيّا فالذمّ له ذمّ للخالق ، فإن من ذمّ صنعة فقد ذمّ الصانع . قال رجل لبعض الحكماء : يا قبيح الوجه . فقال : ما كان خلق وجهي إليّ فأحسنه . وإن لم يجد عيبا في نفسه فليشكر اللّه ولا يؤمن نفسه بأعظم العيوب ، فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب ، فيصير حينئذ ذا عيوب . بل لو أنصف من نفسه لعلم أن ظنّه بنفسه أنّه بريء من كلّ عيب جهل بنفسه ، وهو من أعظم العيوب . وينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له ، فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه . فهذه معالجات جميلة . فأمّا التفصيل : فهو أن ينظر إلى السبب الباعث له على الغيبة ويعالجه ، فإنّ علاج العلّة لم يقطع سببها ، وقد عرفت الأسباب الباعثة على الغيبة فلنذكر علاجها . أمّا الغضب فيعالجه بأن يقول : ان أمضيت غضبي عليه لعلّ اللّه ( تعالى ) يمضي غضبه عليّ بسبب الغيبة إذ نهاني عنها فاستجرأت على نهيه واستخففت بزجره . وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ لجهنّم بابا لا يدخلها إلّا من شفى غيظه بمعصية اللّه ( تعالى ) » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من كظم غيظا وهو يقدر على أن يمضي دعاه اللّه يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره من أيّ الحور شاء » . وفي بعض كتب اللّه ( تعالى ) : يا بن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق . فأمّا الموافقة فبأن يعلم أنّ اللّه ( تعالى ) يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضاء المخلوقين ، فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك وتحقر مولاك فتترك رضاه لرضاهم إلّا أن يكون غضبك للّه ( تعالى ) وذلك لا يوجب أن تذكر المغضوب عليه بسوء ، بل ينبغي أن تغضب للّه ( تعالى ) على رفقائك إذا ذكروه بسوء ، فإنّهم عصوا ربّك بأفحش الذنوب وهو الغيبة . وأمّا تنزيه النفس بنسبة الجناية إلى الغير حيث يستغنى عن ذكر الغير فتعالجه بأن تعرف أنّ التعرّض لمقت الخالق أشدّ من التعرّض لمقت الخلق ، وأنت بالغيبة متعرّض