ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

582

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

لسخط اللّه يقينا ، ولا تدري أنّك تتخلص من سخط الناس أم لا فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهّم وتهلك في الآخرة وتخسر حسناتك بالحقيقة وتحصل ذمّ اللّه ( تعالى ) لك نقدا ، وتنتظر دفع ذمّ الخلق نسيئة ، وهذا غاية الجهل والخذلان . وأمّا عذرك كقولك : إنّي إن أكلت الحرام ففلان يأكل ، وإن فعلت كذا ففلان يفعل ، وإن قصرت في كذا من الطاعة ففلان مقصّر . . . ونحو ذلك ، فهذا جهل لأنّك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به ، فإنّ من خالف أمر اللّه لا يقتدي به كائنا من كان ، ولو دخل غيرك النار وأنت تقدر على أن لا تدخلها لم توافقه ، ولو وافقته سفه عقلك ، فما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه وسجلت مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وغباوتك ، وكنت كالشاة تنظر إلى الغير يردي نفسه من الجبل فهي أيضا تردي نفسها ، ولو كان لها لسان وصرحت بالعذر وقالت : الغير أكيس منّي وقد أهلك نفسه فكذلك أفعل ، لكنت تضحك من جهلها وحالك مثل حالها ، ثمّ لا تتعجّب ولا تضحك من نفسك . وأمّا قصدك المباهاة وتزكية النفس بزيادة الفضل بأن تقدح في غيرك فينبغي أن تعلم أنّك بما ذكرته أبطلت فضلك عند اللّه ( تعالى ) وأنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر وربّما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك بثلب الناس ، فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا بما عند المخلوق وهما ، ولو حصل لك من المخلوق اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من اللّه شيئا . وأمّا الغيبة للحسد فقد جمعت بين عذابين لأنّك حسدته على نعمة الدنيا وكنت معذبا بالحسد ، فما قنعت « 1 » بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة ، فكنت خاسرا في الدنيا فجعلت نفسك خاسرا في الآخرة لتجمع بين النكالين ، فقد قصدت محسودك فأصبت نفسك وأهديت إليه حسناتك ، فإذا أنت صديقه وعدو نفسك ، لا تضره غيبتك وتضرّك ولا تنفعك إذ تنقل إليه حسناتك أو تنقل إليك سيئاته ، ولا ينفعك فقد جمعت إلى خبث الحسد جهل الحماقة ، وربّما يكون حسدك وقدحك سبب انتشار فضل محسودك فقد قيل : وإذا أراد اللّه نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسود وأمّا الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند اللّه

--> ( 1 ) - خ ل : تعبث .