ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

476

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

فلم يشعروا حتّى عصفت ريح من تحت الأرض فأهلكتهم جميعا ، وانطلق عدوّ اللّه وقال له القول الأوّل ، وردّ عليه أيّوب الجواب الأوّل ، فلمّا رأى أنّه لم ينجح منه شيئا صعد إلى اللّه سريعا ، فقال الربّ : كيف وجدت صبر عبدي أيّوب على بلائي وتسليمه لقضائي ؟ قال : إلهي إنّ أيّوب يرى ما متّعته بولده ، فسلّطني على ولده فإنّها المصيبة التي لا تقوى عليها قلوب الرجال . قال اللّه : اذهب فقد سلّطتك على ولده . فانقض عدوّ اللّه سريعا وكره أن يستعين بأحد من أعوانه من الغيظ ، فزلزل بولد أيّوب قصرهم ، ولأيّوب ثلاثة عشر ولدا فيما قال وهب ، وقال غيره سبعة بنين معهم المعلمون والحكماء يعلّمونهم العلم والحكمة ، فلم يزل يزلزل بهم قصرهم حتى تداعى من قواعده ، ثمّ جعل يشدخهم بالخشب حتّى قتلهم ، ثمّ انطلق في صورة الحكماء الذي يعلّمهم الحكمة حتّى انتهى إلى أيّوب جريحا مشدوخا ، فنعى إليه أولاده والمعلّمين ومن كان في القصر ، وجعل ينوح عليهم حتى كاد أيّوب يزيل من مكانه ، ثمّ إنّ اللّه ( تعالى ) تداركه في تلك الساعة فندم واستغفر وخرّ ساجدا وقال : كانوا عارية عندي وربّهم أولى بهم منّي ، فالحمد للّه الذي أعطاهم والحمد للّه الذي أخذهم . فلمّا رأى إبليس ذلك صعد إلى اللّه سريعا فقال له ربّه : كيف وجدت عبدي الصابر ؟ قال : إلهي إنّ أيّوب يرى أنّك متّعته بنفسه فأنت معوضه المال والولد ، فسلّطني على جسده فإنّ جسده أعزّ عليه من ماله وولده . قال اللّه ( تعالى ) : اذهب فقد سلّطتك على جسده وليس لك سلطان على عينيه ولسانه وقلبه لأنّ قلبه للشكر ولسانه للذكر وعينيه ينظر بهما إلى السماء . فانقض عدوّ اللّه سريعا فوجد أيّوب ساجدا للّه ، فخرق الأرض حتّى أتى من تحت وجهه فنفخ في أنفه نفخة مثل لهب النار اشتغل منها جسده واسودّ منها وجهه وتمعّط منها شعره ونبتت في جسده تآليل مثل أليات الغنم ، ووقعت فيها حكّة لا يملكها فحكّ حتى سقطت أظفاره ، ثمّ حكّها بالأحجار والمسوح الخشنة حتى ورمت وقاحت ودودت وسال منه الصديد ، فصبر على ذلك زمانا . ثمّ إنّهم تأذوا بأنينه وبكائه وقروحه وما سال عليهم من صديد ، فلمّا رأوا ذلك بنوا له عريشا على كناشه ، ثمّ بسطوا نطعا ، فزحف أيّوب حتّى قعد في وسطه ، ثمّ أخذوا بأطرافه فحملوه حتى وضعوه في ذلك العريش ، فلبث فيه ثلاثين « 1 » سنين في جهد الجهيد وأشدّ البلاء ، واعتزله المعارف وقطعه الإخوان والأصحاب ، وكفر به أهل ملّته ولم يبق له من أهله إلّا امرأة واحدة تقوم عليه وتكتسب

--> ( 1 ) - ظ : ثلاث .