ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
457
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
عرف ذلك أيضا لأنّ المعرفة لا تضيق على العارفين ، بل المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف عالم ، ويعرف « 1 » بمعرفته ويلتذّ به ولا تنقص لذّة واحد منهما بسبب غيره ، بل يحصل بكرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الإفادة والاستفادة ، فلذلك لا يكون بين علماء الدين تحاسد لأنّ مقصدهم بحر واسع لا ضيق فيه ، وغرضهم المنزلة عند اللّه ( تعالى ) ولا ضيق أيضا فيها ، بل يزيد الأنس بكثرتهم ، وإذا قصد العلماء بالعلم الجاه والمال تحاسدوا لأنّ المال أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنه يد الآخر ، وكذلك الجاه إذ معناه ملك القلوب ، ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص منه لا محالة ، فيكون ذلك سببا للمحاسدة . وأمّا العلم فلا نهاية له ولا يتصوّر استيعابه ، فمن بدّل جهده في تحصيله واشغل نفسه في الفكر في جلال اللّه وعظمته صار ذلك ألذّ عنده من كلّ نعيم ، ولم يكن ممنوعا منه ولا مزاحما فيه ، فلا يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق ، لأنّ غيره أيضا لو عرف مثل معرفته لم تنقص لذّته بل زادت بمؤانسة ، بل مثل العالمين في الحقيقة المتمسكين بالطريقة كما قال اللّه ( تعالى ) عنهم : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ « 2 » ، فهذا حالهم في الدنيا ، فما تظنّ عند انكشاف الغطاء ومشاهدة المحبوب في العقبى ، فلا محاسدة في الجنّة أيضا ، إذ لا مضايقة فيه ولا مزاحمة ، فعليك أيّها الأخ - وفّقنا اللّه وإيّاك إن كنت بصيرا وعلى نفسك مشفقا - أن تطلب نعيما لا زحمة فيه ولذّة لا مكدر لها ، واللّه ولي التوفيق . واعلم : أنّي عاشرت الأخيار والأبرار وبليت بمصاحبة الأشرار ، فعليك أيّها الأخ بالاعتزال عنهم والفرار منهم ، وقد اعتزلت الأشرار جميعهم وألفت الوحدة وهم أكثر من أن يحصوا فينبغي لكلّ مؤمن يؤمن باللّه واليوم الآخر أن لا يجالسهم ولا يحادثهم ، فإن لم يمكن اجتناب الجميع وإلّا فليجتنب هؤلاء السبعة وهم : المغتاب ، والمنافق ، والحسود ، والنمّام ، وذو اللسانين ، والمرائي ، والكذّاب ، ولم أر شيئا يبعث على الإخلاص إلّا الاعتزال عن الناس ، ولم يحصل الأنس إلّا بالخلوة والفرار عن الأنس ، ومن أحبّ الخلوة فقد استمسك بعمود الإخلاص . وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السّلام : من وجد في نفسه من الناس وحشة فليعلم أنّ اللّه ( تعالى ) قد أحبّ أن يؤنسه بنفسه .
--> ( 1 ) - ظ : يفرح . ( 2 ) - الحجر : 47 .