ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
458
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
وقد أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالعزلة والانفراد بعد المائتين ، فلا تغترّ بأخوة أهل زماننا وصحبتهم بعد ما عرفت أنّهم ليسوا إخوانا ولا أصحابا على اليقين ، لأنّهم ليسوا من أهل الإيمان والتقوى والعقل ، وقد قال اللّه ( تعالى ) : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ « 1 » . وصنّف بعض العلماء كتابا وسماه فكر المعارف ، وذكر فيه أنّ الصديق اسم بلا مسمّى ولفظ بلا معنى ، كما قال الصادق عليه السّلام : اجعل ألف صديق واحدا وكن منه على حذر ، وكلّ ذلك لعلمهم بأنّ الزمان قد خلا من إخوان الصدق والصفا وخلان الحق والوفاء وإلّا فهم عرفوا أنّ العاقل من جالس ذوي الألباب ، وصحب ذوي الفضائل والآداب لأنّ من حسن الاختيار صحبة الأخيار بعد الاختيار والاعتبار ، ومن لم يختر الأخيار اختيارا ابتلي بالأشرار اضطرارا . وقال بعضهم وأجاد : ولّما بلوت الناس أطلب عندهم * أخا ثقة عند اعتراض الشدائد تطلعت في حالي رخاء وشدّة * وناديت في الإخوان : هل من مساعد ؟ فلم أر فيما ساءني غير شامت * فلم أر فيما سرني غير حاسد وقال آخر : ولّما بلوت الناس طرّا فلم أجد * أخا صادقا في عشرة وتودد فلم أر أن أصفى المودة خائنا * رجعت أداري وحدتي وتفرّدي وقال أبو العبّاس الناشي : طفت البلاد مشرقا ومغربا * لأنال خلا بالوفاء خليقا ورجعت عمّا كنت قد حاولته * إذ لم تصادف همّتي توفيقا ولعلّ يوما مرّ عنّي ماضيا * لم أشك فيه إلى العدوّ صديقا وكنت قد بليت بصحبة أهل الأهواء مدّة وبشوم أقران السوء وصحبتهم ، وكان ذلك بسبب صحبة الأخيار الأبرار ، فلم أجد من الفريقين أحدا أقال لي عثرة ولا غفر لي زلّة ، وكانت مدّة معاشرتي لهم عشرين سنة حتّى أنقذني اللّه ( تعالى ) من مهوات الأشرار ونظني في سلك محبّي الأخيار ، ولا شكّ أنّ من أحبّ قوما كان منهم . وقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المرء مع من أحبّ » فللّه الحمد والمنّة وما مثل المنكر لهذا الكلام
--> ( 1 ) - الزخرف : 67 .