ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

456

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

والوحي والقرب من اللّه ( تعالى ) بشر مثلهم فحسدوه ، وإلى الرابعة قالوا متعجبين : أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا « 1 » فقال ( تعالى ) : أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ « 2 » وأعظم الأسباب فسادا الخامس والسادس وهما الخوف وحبّ الرياسة لتعلّقهما غالبا بعلماء السوء وقضاتهم ، ومناط الخامس يرجع إلى متزاحمين على مطلوب واحد ، فإنّ كلا منهما يحسد صاحبه في كلّ نعمة تكون غير منالة في الانفراد بمقصوده ، ومن هذا الباب تزاحم الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية ، والأخوة في التزاحم على نيل المنزلة المطلوب بها عند الأب ، والتلامذة لأستاذ واحد في نيل المنزلة عنده ، والعالمين المترسمين على طائفة من المتفقهة محصورين إذ يطلب كلّ واحد منزلة في قلبهم للتوصّل بهم إلى أعراضه ، ومرجع السادس إلى محبّة الانفراد بالرياسة والاختصاص بالثناء والحمد والفرح بما يمدح به من أنّه واحد الدهر ولا نظير له ، فإنّه متى سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحبّ مؤنة أو زوال النعمة التي بها يشاركه في المنزلة ، وهذا زيادة على ما في آحاد العلماء من طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس للتوصّل إلى مقاصد سوى الرئاسة ، وقد كان علماء اليهود يعرفون رسالة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وينكرونها ولا يؤمنون به مخافة أن تبطل رئاستهم وأن يصيروا تابعين بعد أن كانوا متبوعين مهما نسخ علمهم ، وقد تجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد ، فيعظم فيه داء الحسد وتبكي في قلبه وتقوى قوّة لا يقدر معها على الإخفاء والمجاملة ، بل ينهتك حجاب المجاملة وتظهر العداوة بالمكاشفة ، ولا يكاد يزول ، إلّا بالموت ، وقلّ أن يتّفق بالحاسد سبب واحد من هذه الأسباب بل أكثر ، وأصل العداوة والحسد التزاحم على غرض واحد ، والغرض الواحد لا يجتمع بين متباعدين بل متناسبين ، ولذلك ترى الحسد يكثر بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العمّ والأقارب ، ويقلّ في غيرهم إلّا مع الاجتماع في أحد الأغراض المقررة ، نعم من اشتدّ حرصه على الجاه وأحبّ الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه فإنّه يحسد كلّ واحد ممّن هو مثله في العالم ، وإن بعد عمّن يساهمه في الخصلة التي يفاخر بها ، ومنشأ ذلك حبّ الدنيا ، فإنّ الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين أمّا الآخرة فلا ضيق فيها ، وإنّما مثلها مثل العالم ، فإنّ من عرف اللّه وملائكته وأنبياءه وملكوت أرضه وسمائه لم يحسد غيره إذا

--> ( 1 ) - الاسراء : 94 . ( 2 ) - الأعراف : 63 .