ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
453
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
بعض من رأيناه حاله كذا وكذا ، إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا ، لأنّ المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم ، فأمّا إذا لم يفهم غيبته جاز . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا كره من إنسان شيئا يقول : « ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا » ، ولا يعيّن . ومن أخبث أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم والعلم المرائين ، فإنّهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح والتقوى ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ، ولا يدرون لجهلهم أنّهم جمعوا بين شيئين فاحشين : الرياء والغيبة ، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول : الحمد للّه الذي لم يبتلينا بحبّ الرئاسة أو بحبّ الدنيا أو بالتكيّف بالكيفيّة الفلانيّة ، أو يقول : نعوذ باللّه من قلّة الحياء أو من سوء التوفيق ، أو يسأل اللّه أن يعصمنا من كذا ، بل مجرّد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدّث عنه بما ينافيه ونحو ذلك فإنّه يغتابه بلفظ الدعاء وسمت أهل الصلاح ، وإنّما قصده أن يذكر غيبته بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء ودعوى الخلاص من الرذائل ، وهو عنوان الوقوع فيها بل في أفحشها ، ومن ذلك أنّه يقدم مدح من يريد غيبته : ما أحسن أحوال فلان ، ما كان يقصر في العبادات ، ولكن قد اعتراه فتور وابتلاه بما يبتلى به كلّنا وهو قلّة الصبر ، فيذكر نفسه بالذمّ ومقصوده أن يذمّ غيره وأن يمدح نفسه بالتشبيه بالصالحين في ذمّ أنفسهم ، فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش وهو يظنّ بجهله أنّه من الصالحين المتعففين عن الغيبة ، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم والعمل من غير أن يتيقّنوا الطريق ، فيفتنهم ويحيط بمكائده عليهم ويضحك عليهم ويسخر بهم ، ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول : سبحان اللّه ما أعجب هذا حتّى يصغي الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله ، فيذكر اللّه ( سبحانه ) ويستعمل أسماءه في تحقيق خبثه وباطله وهو يمنّ على اللّه بذكره جهلا وغرورا ومن ذلك أن يقول : جرى من فلان كذا وابتلي بكذا ، بل يقول : جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا تاب اللّه علينا وعليه ، ويظهر الدعاء له والتألّم والصداقة والصحبة ، واللّه مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره ، وهو بجهله لا يدري أنّه قد تعرّض للمقت أعظم ممّا يتعرّض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة ومن أقسامها الحفية والإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب ، فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيزيد فيها ، فكأنّه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق فيقول : عجبت ممّا ذكرته ما كنت