ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
454
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
أعلم بذلك إلى الآن ، ما كنت أعرف من فلان ذلك . يريد بذلك تصديق المغتاب واستدعاء الزيادة منه باللطف ، والتصديق بها غيبة بل الإصغاء إليها ، بل السكوت عند سماعها . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المستمع أحد المغتابين » . وقال علي عليه السّلام : السامع للغيبة أحد المغتابين ، ومراده عليه السّلام السامع على قصد الرضا والإيثار لا على وجه الاتفاق أو مع القدرة على الإنكار ولم يفعل ، ووجه كون المستمع والسامع على ذلك الوجه مغتابين بمشاركتهما للمغتاب في الرضاء وتكيف ذهنيهما بالتصوّرات المذمومة التي لا تبتغي وإن اختلفا في أنّ أحدهما قائل والآخر قابل ، لكن كلّ واحد منهما صاحب آلة أحدهما فذو لسان يعبر عن نفس قد تنجست بتصوّر الكذب والحرام والعزم عليه ، وأمّا الآخر فذو سمع يقبل عن النفس تلك الآثار وسوء اختيار فتألفها وتعتادها فيتمكّن من جوهرها سموم عقارب الباطل ومن ذلك قيل : السامع شريك القائل وقد تقدّم في الأخبار ما يدلّ عليه . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الباعث على ذكر مساويء الغير والتعرّض للقدح في أعراض المؤمنين هو الحسد ، فهو داء كامن في الحسد إلّا من عصمه اللّه عن ارتكابه ، ولقد وجدنا أكثر أهل زماننا هذا يتباغضون على غير ذنب أو إسائة جناها بعضهم على بعض ، فهذه الخصلة الرذيلة رأيتها في أراذل الناس وأهل الخسّة ، فإنّهم يشاهدون نعم اللّه ( سبحانه وتعالى ) على عباده الأخيار والأتقياء الأبرار الذين قد وفقهم اللّه ( تعالى ) للتوكّل عليه فأغناهم اللّه عمّا سواه فيحثّهم الشيطان على عداوة أهل الإيمان ، فينسبون إليهم جميع الرذائل ويتهمونهم بقبائح عديدة لا ينبغي نسبتها لأحد من أوباش الناس . واعلم : أنّه ينبغي لأهل الورع والتقوى وذوي العلم والحلم والشرف الرفيع أن يتجنّبوا معاشرة غير أبناء جنسهم ، ويعتزلوا أيضا عن شرار الناس وعوامهم وإن كانوا من أبناء الجنس ، فإنّهم لا يضرّون ولا ينفعون ولا يعطون ولا يمنعون ولا يحيون ولا يميتون ولا يصلون ولا يقطعون ولا يقربون ولا يبعدون ولا يرزقون ولا يحرمون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، وهذه صفة الموتى . فينبغي لمن جاهد نفسه وهذّبها وانقادت له انقيادا تامّا أن يعاملهم معاملة الموتى وأن لا يخافوا ولا يرجوا ولا يطمع فيما عندهم ولا يراؤوا ولا يداهنوا ولا يحتقروا ولا تذكر عيوبهم ولا تتبع عثراتهم ولا يحسدوا ويرحموا ويعذروا فيما يأتونه من النقائض ، مع أنّا نقيم عليهم