ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
428
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
أوّل زمرة وشفعه اللّه في سبعين من أهله وجيرانه ، وهي أفضل ما يصام من الشهر ، وهي يوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر . قال بعض الجهال : الدعاء على خلاف العقل وذلك من سبعة وجوه : أحدها : أنّه علام الغيوب يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فأيّ حاجة بنا إلى الدعاء ؟ وثانيها : أنّ المطلوب إن كان معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الدعاء ، وإن كان غير معلوم الوقوع فلا فائدة فيه . وثالثها : الدعاء يشبه الأمر والنهي ، وذلك من العبد في حقّ المولى سوء الأدب . ورابعها : المطلوب من الدعاء إن كان من المصالح فالحكيم لا يهمله ، وإن لم يكن من المصالح لم يجز طلبه . وخامسها : فقد جاء أنّ أعظم مقامات الصدّيقين الرضا بقضاء اللّه ، وقد ندب إليه ، والدعاء ينافي ذلك لأنّه اشتغال بالإلتماس والطلب . وسادسها : قال عليه السّلام رواية عن اللّه ( تعالى ) : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ، فدلّ على أنّ الأولى ترك الدعاء . وسابعها : أنّ إبراهيم عليه السّلام لّما ترك الدعاء واكتفى بقوله : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، استحقّ المدح العظيم ، فدلّ على أنّ الأولى ترك الدعاء . والجواب عن الأوّل : أنّه ليس الغرض من الدعاء الإعلام بل هو نوع تضرّع كسائر التضرّعات ، وعن الثاني : أنّه يجري مجرى أن يقول الجائع والعطشان إن كان الشبع معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الأكل ، وإن كان غير معلوم الوقوع فلا فائدة فيه . وعن الثالث : أن الصيغة وإن كانت صيغة الأمر إلّا أنّ صورة التضرّع والخشوع تصرفه عن ذلك ، وعن الرابع : يجوز أن يصير مصلحة بشرط سبق الدعاء ، وعن الخامس : أنّه إذا دعي إظهارا للتضرّع ثمّ رضي بما قدره اللّه فذاك أعظم المقامات ، وهو الجواب عن البقيّة إذا ثبت أنّه من العبادات ثمّ أنّه ( تعالى ) أمر عباده بالعبادة وبالصلاة والأمر بالصلاة ورد مجملا لا جرم شرع في أجل العبادات وهو الدعاء ، وأيضا فإنّ البارئ ( سبحانه ) لم يقتصر على بيان فضيلة الدعاء على الأمر به ، بل بيّن في آية أخرى أنّه يغضب إذا لم يسأل فقال : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 1 » أي أعمالهم . وقال عليه السّلام : لا يقل أحدكم اللّهم اغفر لي إن شئت ، ولكن يحزم فيقول : اللّهم اغفر لي ، فلهذا السرّ جزم موسى عليه السّلام بالدعاء فقال : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ
--> ( 1 ) - الأنعام : 43 .