ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

325

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

بالتضرع إلى اللّه الكريم إذا قامت بك واحدة من تلك الأربعة الناشئة من هؤلاء الأعداء المضلين ، وكيف لا تجاهد وأنك تحتال لدفع العدو الظاهري الذي لا يجلب إليك ضررا ولا يمنعك نفعا ، فينبغي لكل عاقل أن يجاهد هؤلاء الأعداء وأعظمها النفس ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أعداي عدوك نفسك التي بين جنبيك فلا تغفل عنها ، وأوثقها بقيد التقوى واكسرها بأربعة أشياء ، الأول : منع الشهوات ، فإن الدابة الحرون تلين إذا انقصت من علوفتها ، الثاني : تحمل أثقال العبادات فإن الدابة إذا ثقل حملها وقلّ علفها ذلت وانقادت ، الثالث : الاستعانة باللّه ( تعالى ) والتضرع إليه بأن يعينك عليها أو لا ترى إلى قول الصديق عليه السّلام : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي « 1 » . الرابع : السخط عليها وعدم الرضا عنها وتوبيخها بقبح صنعها ، فإذا واظبت على هذه الأمور الأربعة انقادت لك بإذن اللّه ( تعالى ) فحينئذ تبادر إلى أن تملكها وتلجمها وتأمن شرها ، وكيف تأمن وتسلم من إهمالها مع ما تشاهد من سوء اختيارها ورداءة أحوالها ، ألست تراها وهي في حال الشهوة بهيمة ، وفي حال الغضب سبع ، وفي حال المعصية طفل ، وفي حال النعمة فرعول ، وفي حال الشبع تراها مختالة ، وفي حال الجوع تراها مجنونة ، فإن أشبعتها بطرت وإن جوّعتها صاحت وجزعت ، فهي كحمار السوء إن أشبعته رمح الناس وإن جاع نهق » . واعلم : أن العقلاء ذكروا للعقل معان حسنة منها ما ذكره صاحب خلاصة الحقائق : قال أهل العلم : العقل جوهر مضيء خلقه اللّه في الدماغ وجعل نوره في القلب يدرك الغايات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة . وقال أهل الكلام : العقل جوهر بسيط يدرك الأشياء بحقائقها دفعة واحدة بلا توسط زمان . وقال أهل التفسير : العقل نوع علم يستبان به العواقب ويترك له القبائح ، والعقل يكمل مع فقد بعض العلم والعلم لا يكمل مع فقد بعض العقل . وقال أهل الحكمة : العقل نور فطري يزيد بالسمع والكسب . وقال أهل الأصول : حسن العقل تمييز الغريزي بين خير الخيرين وشر الشرين ، وهو متفاوت في الفعل يزيد بالتجارب ، وينقص بالإغفال ، وهو قوة وبصارة يحدثها اللّه ( تعالى ) في بنية المتصفين بالعقول بها تستدرك العلوم .

--> ( 1 ) - يوسف : 53 .