ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
244
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
العقول السليمة والآراء الصافية المستقيمة كيف زاغ فريق منهم عن استحضار النية إلّا بعد تعب كثير وخيالات متعدية إلى أمور منكرة ، والظاهر أنه قليل النظر في أفعال العقلاء وتصرفات الأصحاب والفضلاء وكيف لا يحصل له ذلك عند كل أفعاله الاختيارية ، وما الفرق بين النية للعبادة وبين النية لسائر الأفعال القصدية ، فإنه لا فرق عند العقلاء بين نية فعل العبادة وبين نية فعل السفر إلى جهة معينة من الجهات لغرض معين من الأغراض الخاصة على هذا المنوال ، وإنما السبب في وقوع هذه الأوهام الحالية « 1 » والوساوس الشيطانية ظلمات قلبية أوجبها طبائع حيوانية ومواد عادية استتبعت مساوىء الخطرات حتى امتلأ العقل بسببها من الظلمات فبعد عن النور الفايز المجردات ، فانحجبت بذلك عن الحضور بين يدي الجبار وجذبه الطبع عن مقامات الأبرار الذين حق فيهم قوله ( تعالى ) : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ « 2 » . وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن المصلي إذا صلى يناجي ربّه » ، وكيف من هو في هذه المرتبة بالتحقيق ينخذل عن مقام التوفيق ، ذلك إنما هو لضعف اليقين وانحراف أفلاك دقائق الدين ، فالملهم من اللّه ( تعالى ) بالعنايات الإلهية والمتنور بأنوار الهدايات النبوية ينسلخ عن هذه التلوينات الردية ، ويتحقق أنه معها لم يقف « 3 » بشيء من وظائف العبودية لأنه غير جازم بمطلوبه بل هازل بمعبوده ، ومع هذا أنه صار من مصائد مضاحك إبليس وجنوده ، حيث أنه صيّره من عبيده ومقصوده حيث أنه إذا قام قيام العابد صار بواسطة وسوسته له عن طرق الخيرات حائد ولم يكفه حتى ضيع الأوقات فيما ليس له ثبات ، ويزعم أنه فعل فعل الحازم ، مع أنه تورط في أعظم المآثم وأكبر الجرائم ، فإن قام ليزيل النجاسة خرج عن الطريقة الشرعية إلى النجاسة ، وعدم الخروج عن عظيم الخساسة لاعتقاده أن الماء الذي هو الآلة المعتبرة في الإزالة عن الشارع غير مزيلة ، بل هي على أوهام تأويله ، فهو ينكر ما أمر بفعله ، بل هو ضروري في صريح عقله فهو على أحد حالتين : إما سوفسطاطي مكابر أو جاهل للدين ناكر ، وهل عاقل يرضى لنفسه إحدى الحالتين ويقوم في محل هاتين الملامتين ؟ وإن شرع في عبادة قام فيها يهزأ بخالقه لأنه في الظاهر قائم بأمره وفي باطنه أنه غير موافقه ، لأنه لا يفعل إلّا مع عادة رديئة وفكرة غير
--> ( 1 ) - خ ل : الجاهلية . ( 2 ) - المؤمنون : 2 . ( 3 ) - خ ل : يقم .